تفوح روائح الخبز من بين ركام المنازل المدمرة شمالي غزة حيث تواصل سميرة تومان تجهيز صواني الكعك والمعمول لاستقبال عيد الفطر. وتعمل السيدة الستينية بمساعدة بناتها وزوجة ابنها في محاولة لصناعة بهجة العيد وسط ظروف قاسية فرضتها الحرب على القطاع. وتعد هذه الأيام مناسبة خاصة للعائلة التي تحاول استعادة طقوسها رغم فقدان كل مقومات الحياة الطبيعية.
وتشكل سميرة كرات العجين بعناية بينما تتولى ابنتها حشوها بمعجون التمر والسمسم في سلسلة خطوات يدوية شاقة. وتعتمد العائلة على فرن بدائي يعمل بالحطب في ظل الانقطاع التام لغاز الطهي. وتؤكد سميرة أن العمل في هذه الظروف يتطلب صبرا كبيرا لكنه يمنحهم شعورا بالإنجاز في موسم البركات.
واضافت سميرة وهي تمسح العرق عن جبينها أن طقوس العيد الحالية تختلف كليا عما كانت عليه قبل الحرب. وبينت أن إعداد الكعك لم يعد مقتصرا على أسرتها بل تحول إلى مشروع صغير يوفر دخلا بسيطا للعائلة من خلال تلبية طلبات الجيران والزبائن. وأوضحت أن الإقبال على شراء الكعك لا يزال موجودا رغم ارتفاع أسعار المكونات لأن الناس يبحثون عن أي فرصة لنسيان الألم.
فرحة ناقصة تحت الحصار
وبينت سميرة أن فرحة العيد لا تكتمل في غزة بسبب القيود المشددة التي تفرضها إسرائيل على المعابر الحدودية. وأدى إغلاق هذه المعابر إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطحين والسميد والسمن مما جعل الحصول على المواد الأساسية معضلة يومية. وأشارت إلى أن السعادة في غزة دائما ما تكون منقوصة ومحاطة بالمنغصات.
وتابعت سميرة أن ابنها يضطر لتكسير بقايا الأثاث من المنازل المدمرة لاستخدامه كحطب بديل عن الغاز. وكشفت أن حياتهم السابقة التي كانت تعتمد على المطابخ المجهزة والأدوات الكهربائية قد تبددت بالكامل. وأكدت أن الواقع الحالي أجبرهم على العمل وسط السخام والنار بعد أن كانوا يديرون مشاريع منزلية منظمة قبل الدمار.
وأوضحت أن ذكريات العمل في المطبخ بكرامة ونظافة تحولت إلى حلم بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة. وشددت على أنهم يبدؤون اليوم حياتهم من الصفر وسط أنقاض ذكرياتهم التي دمرتها الحرب. وبينت أن إصرارها على العمل رغم كل شيء هو رسالة صمود في وجه المعاناة.
تحديات المعيشة وواقع النزوح
واضافت سميرة أن العائلات في غزة تواجه خيارات صعبة بين شراء مستلزمات العيد أو توفير الميزانية لإدارة الاحتياجات اليومية. وأظهرت البيانات الميدانية تراجعا كبيرا في القدرة الشرائية للسكان مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر. وأشارت إلى أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على المعابر يجعل تدفق البضائع غير مستقر ومهددا بالتوقف في أي لحظة.
وبينت سميرة أنها وعائلتها مروا بتجارب نزوح قاسية قبل أن يقرروا العودة إلى شمال غزة مؤخرا. وأكدت أن العودة كانت صعبة لأنها لم تكن إلى منازل صالحة للسكن بل إلى ركام يفتقر للمياه والبنية التحتية. وأوضحت أن الخوف من عدم التزام إسرائيل باتفاقيات التهدئة يظل هاجسا يلاحق الجميع.
واختتمت سميرة حديثها بالأمل في أن يجلب العيد انفراجة حقيقية للأوضاع في غزة. وأكدت أن الجميع سئموا من هذا الوضع الصعب الذي طال أمده أكثر مما ينبغي. وشددت على ضرورة تحسن الأوضاع الاقتصادية ودخول مواد البناء لإنهاء حالة الفراغ التي يعيشها سكان القطاع.
