في ظلال خيام النزوح المتهالكة التي تفتقر لابسط مقومات العيش الكريم وبداخل مراكز الايواء المكتظة بالنازحين تبتكر نساء فلسطينيات في قطاع غزة طرقا جديدة لصناعة فرحة عيد الفطر رغم قسوة الحرب والظروف المعيشية الصعبة. حيث عملت هؤلاء النساء على تحويل مساحات النزوح الضيقة الى ورش عمل صغيرة لإنتاج الكعك والمعمول وسمك الفسيخ المملح في محاولة جادة لتوفير مصدر رزق يعين عائلاتهن على متطلبات الحياة اليومية وإدخال البهجة لقلوب اطفالهن المحرومين.

واظهرت هذه المبادرات الفردية مدى الإصرار على التمسك بالحياة وسط الحصار الخانق والقيود المشددة على المعابر التي ادت الى ارتفاع فلكي في اسعار المواد الخام الاساسية. وبينت النازحات ان عملهن لا يقتصر على الجانب المادي فحسب بل يمثل رسالة صمود وتحدي للواقع المرير الذي يعيشه اكثر من مليوني نازح فقدوا منازلهم وممتلكاتهم جراء عمليات التدمير الواسعة.

واكدت السيدات ان استمرارية هذه المهن رغم ندرة الموارد تعكس رغبة حقيقية في الحفاظ على الموروث الشعبي والطقوس الاجتماعية التي تميز العيد في غزة. واوضحت المشاركات ان العمل الجماعي داخل الخيام يخفف من وطأة المعاناة ويمنحهن شعورا بالقدرة على مواجهة التحديات الكبرى التي فرضتها ظروف النزوح القسري.

مقاومة الحزن بصناعة الكعك

وكشفت نورا ابو عودة وهي واحدة من النساء اللواتي حولن خيامهن في منطقة المواصي الى خلية نحل لإنتاج المعمول ان هذه المهنة باتت تمثل بالنسبة لها فعلا مقاوما للحزن والحرمان. واضافت ان تحضير الكعك يجمع النساء والفتيات في جو من التعاون والعمل الدقيق رغم صعوبة توفير الطحين والسكر والتمور بسبب ندرتها وارتفاع اسعارها الجنوني.

واوضحت ان خبرتها الموروثة في صناعة الحلويات ساعدتها على التكيف مع متطلبات السوق المحدودة داخل مراكز النزوح. وشددت على ان كل قطعة معمول يتم تشكيلها تحمل في طياتها املا بان الفرح سيظل حاضرا في قلوب الاطفال رغم كل ما يحيط بهم من دمار وفقدان.

وبينت ان تراجع اعداد شاحنات المساعدات التجارية عبر معبر كرم ابو سالم زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي لكنه لم يكسر عزيمتها في الاستمرار. واكدت ان هذا العمل البسيط يمنحها راحة نفسية ويجعلها تشعر بأنها ما زالت قادرة على حماية عائلتها وتوفير الحد الادنى من مستلزمات العيد.

تحديات البقاء داخل مراكز الايواء

واضافت جواهر حمودة التي فقدت منزلها وزوجها مشروعه الخاص ان التحدي في مراكز الايواء يتطلب مرونة عالية في التعامل مع الموارد المتاحة. واوضحت انها استغلت خبرتها الطويلة في صناعة الفسيخ لتوفير دخل مادي يساعد ابناءها الخمسة على تجاوز ايام الحرب القاسية.

واكدت ان الفسيخ الذي يعتبر وجبة تقليدية صبيحة عيد الفطر اصبح انتاجه مكلفا للغاية بسبب ارتفاع اسعار الاسماك المجمدة التي يتم ادخالها للقطاع بكميات شحيحة. وبينت ان عملها لا يقتصر على الفسيخ فقط بل تستخدم ماكينة خياطة بسيطة وضعتها في زاوية من غرفتها داخل مركز الايواء لتعمل لساعات طويلة يوميا.

واوضحت ان تمسكها بالعمل ينبع من ايمانها بضرورة عدم الاستسلام للواقع البائس. وشددت على ان كل نازحة في غزة اليوم تبحث عن فضاء صغير للعمل لتثبت ان الحياة تستحق المحاولة وان العيد مناسبة مقدسة لا يمكن تجاوزها دون طقوسها المعتادة التي تربط الغزيين بارضهم وذاكرتهم.