يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة واقعا اقتصاديا هو الاصعب في تاريخهم المعاصر، حيث تلاشت مصادر الدخل التقليدية نتيجة الحرب المستمرة التي شلت مفاصل الحياة وادت الى توقف عجلة الانتاج بشكل شبه كامل. واظهرت البيانات الميدانية ان الغالبية العظمى من السكان باتوا بلا عمل، مما جعل توفير الاحتياجات الاساسية صراعا يوميا لا ينتهي في ظل غياب اي افق للتعافي.
واكدت التقارير ان الفجوة بين متطلبات البقاء وبين الموارد المتاحة اتسعت بشكل مخيف، اذ لم يعد بمقدور ملايين المواطنين تأمين ابسط مقومات الحياة. وبينت المؤشرات الاقتصادية ان نصيب الفرد من الدخل تراجع الى مستويات قياسية مقارنة بما كان عليه الحال قبل اندلاع الازمة، مما وضع المجتمع تحت ضغوط معيشية خانقة.
وكشفت سلطة النقد ان الانهيار الاقتصادي في القطاع يعد من بين الاسوأ عالميا، حيث فقد الاقتصاد معظم حجمه السابق وارتفعت معدلات البطالة لتبلغ ارقاما غير مسبوقة. واوضحت الدراسات الاممية ان ما حدث محا عقودا من التنمية في فترة وجيزة، مما جعل جميع العائلات تقبع تحت خط الفقر المدقع.
واقع الانهيار الاقتصادي ومعاناة الاسر
وبين مدير عام السياسات والتخطيط في وزارة الاقتصاد ان تكاليف المعيشة للأسرة الواحدة تتوزع على بنود اساسية تشمل الغذاء والمسكن والخدمات الضرورية. واشار الى ان الارتفاع الحاد في الاسعار ترافق مع تآكل كبير في القوة الشرائية، حيث فقدت العملات النقدية قيمتها الحقيقية امام الارتفاع الجنوني في تكلفة السلع والمواد الاساسية.
واضاف ان متوسط المصروفات اليومية للأسرة الواحدة يتجاوز بكثير ما يتوفر من دخل محدود، مما يضطر العائلات الى تقليص استهلاكها الى ادنى المستويات. واكد ان العوامل المؤثرة تشمل حجم الاسرة وتوفر السلع في الاسواق، فضلا عن التداعيات الناتجة عن اغلاق المعابر التي تمنع تدفق المواد الاساسية بانتظام.
واوضحت ورقة سياسات اقتصادية ان المبالغ التي تنفقها الاسر لا تعكس قيمتها الفعلية بسبب التضخم الكبير في اسعار الحرب. وبينت ان تدمير البنية التحتية والمنشآت الانتاجية كان الضربة القاضية التي افقدت الاقتصاد قدرته على التكيف مع الازمات المتلاحقة.
استراتيجيات الصمود واقتصاد البقاء
وقال مختصون في الشأن الاقتصادي ان السكان ابتكروا ما يعرف باقتصاد البقاء لتجاوز الازمات، حيث تحولت المساعدات الانسانية الى ركيزة اساسية لا غنى عنها لمعظم العائلات. واشاروا الى ان هذه المساعدات اصبحت جزءا من حركة تجارية داخلية حيث يتم تبادل السلع لتأمين احتياجات اخرى غير متوفرة.
واضاف ان التحويلات النقدية عبر المحافظ الرقمية ساهمت في مساعدة البعض على تلبية احتياجاتهم الطارئة، خاصة في ظل صعوبة الوصول الى الخدمات البنكية التقليدية. وشدد على ان العديد من المواطنين اتجهوا نحو مهن جديدة فرضتها الظروف، مثل خدمات التوصيل البدائية واصلاح المقتنيات التالفة لتوليد دخل بسيط.
وكشفت المبادرات المجتمعية وتكايا الطعام عن حالة من التكافل الاجتماعي الذي يعتمد عليه الكثيرون للبقاء على قيد الحياة. واكد ان تحويلات المغتربين والاقارب في الخارج لا تزال تشكل شريان حياة حيويا للكثير من العائلات التي فقدت كل مصادر دخلها الاصلي في هذه الاوقات الصعبة.
