في مخيمات النزوح المكتظة جنوبي قطاع غزة، تلاشت الحدود بين الخاص والعام، حيث يعيش آلاف النازحين في خيام متلاصقة لا تكاد تفصل بينها سوى قطع من القماش المهترئ. قال خالد ابو السعيد، وهو نازح من حي الرمال، ان الحياة تحولت الى مشهد مكشوف للجميع، حيث يستيقظ على اصوات المارة وتداخل الاحاديث التي لا تجد جدرانا لتحميها. واضاف ان الانسان فقد ابسط مقومات الخصوصية التي كان يتمتع بها في منزله، مؤكدا ان كل تفاصيل يومه، من اصغر همس الى اكبر وجع، باتت متاحة للسمع والبصر من قبل الجيران والمارة.

وشدد ابو السعيد على ان الواقع الحالي يتجاوز مجرد ضيق المكان، ليصل الى حالة من الشعور المستمر بالانكشاف، موضحا ان الرغبة في العودة الى المنازل ليست مجرد رغبة في البناء، بل هي سعي لاستعادة الكرامة المحفوظة خلف الابواب. وبين ان غياب المكان الخاص يدفعه وآخرين الى كتمان الشكوى والالم، خوفا من ان تتحول معاناتهم الشخصية الى مادة مباحة لمن حولهم.

واكد محمود سلامة، نازح من بيت حانون ويقيم في مواصي خان يونس، ان قسوة العيش داخل الخيام لا تقتصر على غياب الخصوصية، بل تمتد لتشمل المعاناة اليومية مع الظروف الجوية والحصول على ابسط الاحتياجات. واوضح ان محاولات الحفاظ على تماسك الاسرة تبدو مهمة شبه مستحيلة في بيئة لا تمنح الزوجين او الاطفال مساحة للحديث بعيدا عن مسامع الاخرين.

تفاصيل مكشوفة ومعقدة

وبين سلامة ان الجدران القماشية تحولت الى ما يشبه الاذان المفتوحة، حيث يضطر المرء لمراقبة كلماته وحركاته باستمرار، مشيرا الى ان غياب الخصوصية يفاقم من حدة التوتر داخل الاسرة الواحدة. واضاف ان المرض او التعب اصبحا تفاصيل عامة لا يمكن اخفاؤها، مما يزيد من الضغوط النفسية التي يواجهها النازحون في ظل ظروف النزوح الطويلة.

واشار الى ان الحياة في المخيمات تفتقر الى ابسط عناصر الاستقرار، موضحا ان كل لحظة قلق او حزن يعيشها الفرد تصبح مرئية ومسموعة لكل من في الجوار. وشدد على ان هذا الواقع المعقد يفرض على النازحين نمطا من الحياة الجماعية القسرية التي تسلبهم حقهم في الانفراد بذواتهم.

وكشفت الطبيبة سماح جبر، رئيسة وحدة الصحة النفسية بوزارة الصحة، ان النزوح في قطاع غزة ادى الى عملية تجريد نفسي ممنهجة للنازحين من كرامتهم. واوضحت ان البيت يمثل في علم الاجتماع النفسي الجلد الثاني للانسان، وهو الحيز الذي يمنحه الشعور بالامان والقدرة على الانفصال عن العالم، وعند تمزق هذا الجلد، يصبح الفرد مكشوفا تماما.

تجريد نفسي واثار عميقة

واضافت ان حالة العري الاجتماعي التي تفرضها الخيام تضع الجهاز العصبي للنازحين في حالة استنفار دائم، خاصة بالنسبة للنساء اللواتي يضطررن للبقاء بزي كامل طوال الوقت خوفا من الانكشاف. وبينت ان هذا الوضع يستنزف النفس والجسد ويمنع الفرد من ممارسة حياته الطبيعية بكرامة.

واكدت ان الرجال يعانون ايضا من فقدان دورهم كحماة للخصوصية، مما يولد لديهم شعورا بالعجز والمهانة، وهو ما يغير من طبيعة العلاقات الاسرية ويزيد من التوترات. واوضحت ان الاطفال هم الاكثر تضررا، حيث يتم حرمانهم من حقهم في النمو بعيدا عن صراعات الكبار، مما يؤدي الى بلوغ قسري مشوه.

واضافت في ختام حديثها ان انعدام الخصوصية يحول المجتمع الى كتلة متوترة قابلة للانفجار، معتبرة ان استمرار العيش في هذه السجون القماشية يفتت الهوية الشخصية ويصيب الروح في مقتل، مشددة على ان الخصوصية ليست رفاهية بل شرط اساسي للكرامة الانسانية التي يجب صونها.