تحدت ارادة سكان قطاع غزة كل مظاهر الدمار والخراب التي خلفتها الحرب المستمرة ليعيدوا احياء ليلة القدر في مشاهد تعكس تمسكهم العميق بشعائرهم الدينية، حيث تحولت مساحات واسعة من الانقاض وبقايا المساجد المدمرة الى مصليات مؤقتة احتضنت جموع المصلين الذين توافدوا من الخيام والملاجئ لاداء صلاة التراويح وقيام الليل في ليلة السابع والعشرين من رمضان.

واظهرت الصور الملتقطة من قلب القطاع اصرار الغزيين على ممارسة طقوسهم الروحانية رغم استمرار تحليق الطائرات المسيرة واصوات الانفجارات التي لم تفلح في كسر عزيمتهم، اذ استبدل السكان جدران المساجد المهدمة بخيام بلاستيكية ومظلات بسيطة لتكون شاهدا على صمودهم وايمانهم الراسخ الذي لا تلينه قسوة الظروف او انقطاع التيار الكهربائي.

وبينت المتابعات الميدانية ان حالة من الروحانية العالية سادت ارجاء القطاع، حيث امتلات الساحات العامة وما تبقى من هياكل المساجد بالمصلين من مختلف الاعمار، وسط اجواء خيم عليها الخشوع والامل في ان تكون هذه العبادات سببا في تفريج الكرب وايقاف الحرب التي طالت تاريخ المدينة ومقدساتها.

رسالة صمود من بين انقاض المساجد

واكد نشطاء ومغردون ان المشاهد التي شهدتها غزة هذا العام تحمل دلالات سياسية واجتماعية عميقة، موضحين ان خروج الناس في مجموعات كبيرة للصلاة فوق الركام يعد رسالة للعالم اجمع بان غزة ما زالت تنبض بالحياة، وان الايمان الذي تربى عليه اهلها لا يمكن حصره او تدميره مهما بلغت فداحة الخسائر المادية.

واضاف المتابعون ان المسجد العمري الكبير وغيره من المعالم التاريخية التي استهدفها القصف تحولت الى نقاط تجمع رمزية، حيث سعى السكان لاعادة احياء ذكرياتهم الدينية في هذه الاماكن رغم غياب البنية التحتية، معتبرين ان هذه الليالي المباركة تمثل فرصة للمدينة لتداوي جراحها بالقران والدعاء.

وكشفت التعليقات المتداولة عبر منصات التواصل ان الروح التي اظهرها الغزيون في هذه الليلة قد تجاوزت حدود العبادة التقليدية لتصبح حالة من التحدي الوجودي، حيث يرى السكان ان صمودهم في المساجد المهدمة هو انتصار للارادة على اله الحرب التي حاولت طمس الهوية الدينية والوطنية للمدينة.

ارادة لا تنكسر امام اصوات الطائرات

واشار شهود عيان الى ان الطائرات المسيرة حاولت تعكير صفو المصلين من خلال التحليق المنخفض واصدار اصوات مزعجة، الا ان المصلين واصلوا صلواتهم بكل هدوء وثبات، مما يعكس حالة من التسليم والارتباط القوي بالخالق الذي يشكل بالنسبة لهم الحصن الاخير في مواجهة الموت والدمار.

وشدد الكثيرون على ان هذه الليلة المباركة سجلت لحظات تاريخية في سجل الصمود الغزي، حيث جسدت قدرة الانسان على التكيف مع اقسى الظروف وتحويل الالم الى امل، مؤكدين ان القوة الحقيقية ليست في السلاح الذي يملأ السماء، بل في قلب مؤمن يتمسك بحقه في الحياة والعبادة رغم كل شيء.

واكدت المشاهد القادمة من مختلف مناطق القطاع ان غزة استعادت روحها الرمضانية التي غابت لسنوات، حيث تكاتف الكبار والصغار في مشهد جماعي مهيب يثبت ان الهوية الدينية لاهل غزة تظل اقوى من اي قصف او حصار، وان القلوب العامرة بالايمان لا يمكن ان تنهار مهما تهدمت الجدران.