في ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة التي تواجه الممرات البحرية التقليدية وتزايد المخاطر المحيطة بمضيق هرمز، برز تحرك لوجستي نوعي بين الرياض وأنقرة يهدف إلى صياغة مسار بري بديل ومستدام. هذا المشروع الطموح لا يقتصر على كونه تفاهمات ثنائية عابرة، بل يمثل استراتيجية متكاملة لضمان تدفق السلع والطاقة بعيدا عن اضطرابات البحار، مما يعزز أمن سلاسل الامداد الاقليمية والدولية.
وكشفت الخطوات التنفيذية الاخيرة عن توقيع مذكرات تفاهم شاملة بين وزير النقل السعودي صالح الجاسر ونظيره التركي عبد القادر اورال اوغلو، لترسيخ البنية التحتية للسكك الحديدية والعمليات اللوجستية المشتركة. وأوضح الجانبان أن هذا الربط السككي يستند إلى شبكات قائمة بالفعل، حيث قطعت السعودية شوطا كبيرا في ربط بنيتها التحتية وصولا إلى الحدود الاردنية، بينما تعمل تركيا على دمج شبكتها عبر سوريا والاردن لتكتمل الحلقة الاستراتيجية.
وأضاف المسؤولون أن المشروع يتجاوز الاهداف الآنية ليصبح خط دفاع تشغيلي ضد الازمات البحرية، مع اشارات قوية لاحتمالية انضمام العراق للمشروع مستقبلا، مما يجعله شريانا حيويا يربط دول المنطقة ببعضها ويربطها بالعمق الاوروبي بشكل مباشر وفعال.
خارطة الطريق للممر البري العابر للقارات
وبينت الدراسات الفنية أن المسار سينطلق من اسطنبول ليعبر الاراضي السورية وصولا إلى دمشق، ومنها إلى عمان ثم منفذ الحديثة السعودي، حيث تلتقي الشبكات التركية والسورية والاردنية بشبكة الخطوط الحديدية السعودية سار. واكد الخبراء أن هذا الربط سيحول المملكة إلى مركز عبور عالمي يربط ثلاث قارات، مستفيدا من موانئها على البحر الاحمر والخليج العربي.
وأظهرت المخططات أن المسار سيمر عبر مشروعات كبرى مثل نيوم ويرتبط بمشروع القطار الخليجي الموحد، مما يفتح آفاقا واسعة للوصول إلى سلطنة عمان وبحر العرب. واشار المخططون إلى أن هذا الامتداد يمنح المشروع صفة الممر البري الشامل الذي يطوق كافة نقاط الاختناق المائي التقليدية ويقلل الاعتماد على المسارات البحرية عالية المخاطر.
واضاف الخبراء أن هذا التوجه ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية للنقل، حيث تهدف المملكة من خلاله إلى ترسيخ مكانتها كمركز لوجستي عالمي. وأكدوا أن المشروع سيسهم في تقليص زمن الشحن بين الخليج واوروبا من ثلاثين يوما عبر البحر إلى اقل من اسبوعين برا، مما يجعله خيارا اقتصاديا تنافسيا يغني عن التكاليف المرتفعة للتأمين البحري.
تحويل المنطقة إلى مركز لوجستي عالمي
وكشف محللون اقتصاديون أن الممر السعودي التركي يتميز عن غيره من المشاريع بكونه يعتمد على بنية تحتية قائمة بالفعل ولا يتطلب سنوات من الانشاءات المعقدة. واوضحوا أن هذا التكامل اللوجستي يوفر للمصدرين والمستوردين خيارات متعددة الوسائط تجمع بين كفاءة الموانئ السعودية وسرعة النقل السككي التركي نحو الاسواق الاوروبية وآسيا الوسطى.
وشدد الخبراء على أن التكاليف المرتبطة بالشحن البحري شهدت قفزات قياسية تجاوزت ثلاثمائة بالمائة في الفترة الماضية، مما يجعل هذا البديل البري ضرورة حتمية لا ترفا اقتصاديا. وبينوا أن المشروع يضمن استقرار تدفق السلع ويعظم العوائد من الاستثمارات الضخمة التي ضختها المملكة في موانئها وشبكات قطاراتها المتطورة.
واضاف المختصون أن هذا المشروع يحيي تاريخيا ما كان يعرف بسكة حديد الحجاز، لكن بعقلية استثمارية حديثة وتقنيات متقدمة. واكدوا أن تمويلات دولية بدأت تدخل لدعم اجزاء من هذا المسار، مما يعكس الثقة العالمية في جدوى هذا الشريان الذي يربط بين اهم الاسواق العالمية في ظل تقلبات سلاسل الامداد.
