تتجه الحكومة الباكستانية نحو اقرار موازنة عامة تتسم بالتشدد المالي والاجراءات التقشفية الصارمة وذلك في مسعى لاحتواء ازمات التضخم المتلاحقة وتداعيات تقلبات اسعار الطاقة العالمية. وتكشف الخطط المالية المرتقبة عن توجه رسمي لفرض اعباء اضافية على الشركات والطبقة الوسطى لتعزيز الايرادات العامة مع الابقاء على شبكات الامان الاجتماعي الموجهة للفئات الاكثر احتياجا.

واكد وزير المالية محمد اورنغزيب ان الحكومة تسعى لتمرير موازنة تصل قيمتها الى نحو 61 مليار دولار وسط ضغوط دولية مكثفة للامتثال لشروط برنامج الانقاذ المبرم مع صندوق النقد الدولي. وبين خبراء الاقتصاد ان هذه التحركات تضع الاقتصاد الباكستاني امام اختبار حقيقي حيث يتركز العبء الضريبي على القطاعات الرسمية بينما تظل انشطة حيوية مثل الزراعة والعقارات خارج نطاق المحاسبة الفعالة.

واضاف محللون ان اولوية ضبط المالية العامة باتت تتصدر المشهد على حساب معدلات النمو الاقتصادي في ظل غياب الارادة السياسية لتوسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل. واشار مراقبون الى ان الهدف المعلن بتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4.1 في المئة يبدو طموحا مقارنة بتقديرات المؤسسات الدولية التي تراهن على ارقام اكثر تحفظا.

تحديات التضخم واضطرابات الطاقة

وتواجه باكستان تحديات جيوسياسية معقدة ناتجة عن التوترات في الشرق الاوسط والتي القت بظلالها على اسعار النفط ودفعت معدلات التضخم الى الارتفاع مجددا. واوضح خبراء ان اعتماد باكستان الكلي على واردات الطاقة من منطقة الخليج يجعلها من اكثر الاقتصادات عرضة للصدمات الخارجية مما يعيق جهود البنك المركزي في كبح جماح الاسعار.

وشددت التقارير الاقتصادية على ان استمرار الاعتماد على التحويلات الخارجية يمثل ركيزة اساسية لا يمكن الاستغناء عنها في ظل الازمات الحالية. واظهرت البيانات ان الحكومة تضع نصب اعينها خفض متوسط التضخم الى مستويات اقل من 9 في المئة بعد ان سجل ارقاما مرتفعة خلال الفترة الماضية مما يتطلب سياسات نقدية اكثر صرامة.

وبينت التحليلات ان الضغوط المفروضة على هيئة الايرادات الفيدرالية لرفع الحصيلة الضريبية بنسبة 37 في المئة تواجه عوائق هيكلية بسبب اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي وضعف الشمول المالي بين المواطنين. واكد مختصون ان رفع الضرائب التقليدية لم يعد كافيا لردم الفجوة التمويلية دون المساس بالقدرة الشرائية المنهكة اصلا للاسر الباكستانية.

استراتيجية التقشف وايقاف المشاريع

وكشفت وزارة التخطيط الباكستانية عن قرار بوقف اطلاق اي مشاريع تنموية جديدة خلال العام المالي القادم والاكتفاء بالمشاريع المرتبطة بالامن والدفاع. واضافت المصادر ان هذا التوجه ياتي ضمن حزمة تدابير تهدف الى تحقيق فائض اولي في الموازنة يعادل 2 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي تلبية لمتطلبات صندوق النقد الدولي.

واوضح خبراء ان استخدام برامج الصندوق كغطاء سياسي لتمرير قرارات غير شعبية بات نمطا متكررا في الادارة المالية الباكستانية. واشاروا الى ان استثناء قطاعات واسعة من الضرائب سيظل العائق الاكبر امام تحقيق الاستقرار المالي المستدام حتى في حال نجاح الحكومة في تقليص العجز الحالي.

واكدت الحكومة حرصها على استمرار برامج التحويلات النقدية لحماية الطبقات الفقيرة من تبعات الاصلاحات الاقتصادية القاسية. واوضحت ان المفاوضات الاخيرة مع الصندوق ركزت على توزيع الموارد المالية بين الاقاليم والحكومة المركزية لضمان تدفق السيولة اللازمة لادارة الدولة في ظل هذه الظروف الاقتصادية الاستثنائية.