تشهد المدن الكبرى حول العالم تحولا جذريا في ادارة تفاصيل الحياة اليومية حيث تتدفق حركة المرور وتدار شبكات الطاقة والمياه عبر انظمة ذكاء اصطناعي وخوارزميات صينية متطورة. وتكشف هذه التطورات عن استراتيجية بكين الطموحة التي لا تقتصر على تصدير الاجهزة والبرمجيات فحسب بل تمتد لتشمل وضع القواعد والمعايير التي تحكم التكنولوجيا العالمية في المستقبل.

واظهرت التوجهات الدولية ان المعايير التقنية اصبحت اليوم العملة الاغلى في الاقتصاد العالمي متجاوزة في قيمتها الاستراتيجية موارد الطاقة التقليدية مثل النفط والغاز. واوضح خبراء ان من يمتلك القدرة على صياغة المواصفات القياسية للاجهزة والشبكات يمتلك مفاتيح التحكم في الاسواق الدولية ويضمن تدفقات مالية مستمرة عبر براءات الاختراع.

واكدت التقارير ان الصين تسعى جاهدة للتخلص من عبء دفع رسوم التراخيص للشركات الغربية من خلال تكثيف استثماراتها في البحث والتطوير. وبينت بكين ان استراتيجيتها القائمة على التقييس الوطني تهدف الى تحويل الدولة من مجرد مصنع للمنتجات الى مشرع للمعايير التقنية العالمية بحلول عام 2035.

الصين تنتقل من مقعد المنفذ الى المشرع التقني

وبينت خطة الصين الطموحة والمعروفة باسم معايير الصين 2035 ان الحكومة تعمل على دمج ابتكاراتها في صلب التقنيات الناشئة مثل الحوسبة الكمومية والسيارات ذاتية القيادة. واضافت ان بكين نجحت في حشد كوادرها داخل المنظمات الدولية لضمان تبني مقترحاتها التقنية بوصفها معايير رسمية ومعتمدة عالميا.

وكشفت البيانات ان الصين اصبحت تقود عددا كبيرا من الوكالات الاممية المتخصصة في العلوم والتقنية مما يعزز نفوذها في توجيه مسار الابتكار العالمي. واشارت الى ان هذا الحضور القوي داخل لجان المعايير يمنح الشركات الصينية افضلية تنافسية كبيرة في حصد العقود الدولية وتامين سلاسل الامداد.

وتابعت الصين مساعيها عبر ربط مساعدات التنمية الخارجية بتبني معاييرها الوطنية مما يخلق حالة من التبعية التقنية لدى الدول الشريكة. واوضحت ان هذه السياسة تضمن استمرارية الاعتماد على التكنولوجيا الصينية لصيانة وتطوير البنية التحتية الحيوية على المدى الطويل.

طريق الحرير الرقمي كأداة للهيمنة

واضافت مبادرة طريق الحرير الرقمي بعدا جديدا لهذا التمدد حيث تعمل بكين على تصدير بنيتها التحتية المتقدمة مثل شبكات الجيل الخامس والكابلات الضوئية الى عشرات الدول. وشددت على ان الدعم المالي السخي من البنوك الصينية يتيح لشركات مثل هواوي وعلي بابا تقديم اسعار لا تقبل المنافسة مما يجذب العديد من الاسواق الناشئة.

وبينت التحليلات ان هذا التمدد يواجه قلقا متزايدا من قبل واشنطن التي ترى في الهيمنة الصينية تهديدا مباشرا لامنها القومي وتفوقها التجاري. واوضحت ان الولايات المتحدة بدات حملات دبلوماسية واسعة لاستبعاد المعدات الصينية من شبكات الاتصالات الحساسة لدى حلفائها لمنع التجسس المحتمل.

واكد الباحثون ان الصراع التقني ينذر بوقوع سيناريو بلقنة العالم الرقمي وتفككه الى معسكرين متصارعين. واضافت ان هذا الانقسام قد يؤدي الى نهاية عصر الانترنت الموحد مما يزيد من تكاليف الابتكار العالمي ويجبر الدول على الاختيار بين معايير شرقية مغلقة او معايير غربية مفتوحة.