يفتح الاتفاق المحتمل بين طهران وواشنطن بابا واسعا من التساؤلات حول مستقبل الريال الايراني ومعدلات التضخم التي أرهقت المواطنين لسنوات. وبينما يترقب الشارع انفراجة اقتصادية ملموسة، يؤكد الخبراء أن الانعكاسات على السوق لن تكون بالضرورة مباشرة أو دائمة ما لم تقترن بإصلاحات هيكلية عميقة داخل الاقتصاد المحلي، حيث تعاني البلاد من ضغوط مزدوجة تتمثل في العقوبات الخارجية والاختلالات الداخلية المزمنة.
واوضحت التحليلات الاقتصادية أن الاتفاق قد يمنح السوق جرعة ثقة مؤقتة من خلال تخفيف الضغط عن تدفقات العملة الصعبة، ولكن هذه الثقة تظل رهينة بالسياسات النقدية والمالية التي تتبعها الحكومة. واكد خبراء أن الجدل لا يدور حول حدوث تأثير من عدمه، بل حول مدى استدامة هذا التأثير وهل سينعكس ذلك على اسعار السلع والخدمات ام سيبقى محصورا في نطاق سعر الصرف فقط.
وبين الخبير الاقتصادي بيمان مولوي أن اول الاثار ستظهر في سوق الصرف كنتيجة طبيعية لتراجع المخاطر السياسية، موضحا أن انخفاض طلب المضاربين على الدولار وعودة رؤوس الاموال الراكدة قد يسهمان في تحسين قيمة العملة الوطنية على المدى القصير. واضاف أن قيمة الريال لا تعتمد فقط على الاخبار السياسية، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بمعدلات التضخم ونمو السيولة النقدية التي لا تزال تسجل معدلات مرتفعة تضغط على السوق.
تحديات الاستقرار النقدي في ايران
وشدد مولوي على أن استمرار نمو السيولة بنسب تتراوح بين 25% و30% مع بقاء اسعار الفائدة الحقيقية في المنطقة السلبية سيؤدي حتما الى عودة الضغوط على الريال. واشار الى أن التحسن المتوقع في الاشهر الاولى والذي قد يصل الى 20% قد يتلاشى تدريجيا في غضون عامين إذا لم يتم تنفيذ اصلاحات جذرية في النظام المصرفي والسيطرة على عجز الموازنة. واكد أن الاتفاق يشتري الوقت فقط ولا يمكنه أن يكون بديلا عن الانضباط النقدي والمالي.
وكشفت التقديرات أن جزءا كبيرا من التحسن الاولي في سعر الصرف سيكون ذا طبيعة نفسية بالدرجة الاولى، حيث يستجيب السوق للاخبار قبل وصول الدولارات الفعلية الى الخزينة. واوضح مولوي أن خفض المخاطر السياسية يشكل العامل الاهم في دعم الريال، يليه زيادة مبيعات النفط ثم تحرير الاصول المجمدة، مشددا على أن هذه العوامل لا تعمل بمفردها في ظل وجود فجوات هيكلية في بنية الاقتصاد.
واظهرت الرؤى الاقتصادية أن تحول الاثر النفسي الى واقع مستدام يتطلب ادارة حكيمة لتدفقات العملة الصعبة، مع ضرورة كبح جماح التضخم من خلال ادوات نقدية فعالة. واضاف مولوي أن فشل الحكومة في اتخاذ اجراءات تصحيحية سيعيد السوق الى مربع الضغوط الاول، مما يجعل من الاتفاق مجرد استراحة قصيرة بدلا من كونه حلا شاملا للازمة.
لماذا لا تنخفض الاسعار بسهولة؟
ورأى الخبير الاقتصادي آيزاك سعيديان أن الاتفاق يمثل نافذة فرصة ثمينة، لكنه حذر من توقعات شعبية مبالغ فيها بانخفاض اسعار السلع والخدمات بشكل حاد. واوضح أن الاسعار في الاقتصاد الايراني تميل الى الجمود عند الارتفاع، مما يعني أن استقرار سعر الصرف قد يؤدي فقط الى ابطاء سرعة الغلاء وليس بالضرورة ارجاع الاسعار الى مستوياتها السابقة.
واضاف سعيديان أن تحرير الموارد المالية وزيادة العائدات النفطية سيعززان قدرة الدولة على تأمين السلع الاساسية، مما قد يخفف من كلفة الانتاج على المدى المتوسط. واكد أن المشكلة تكمن في أن التضخم في ايران له جذور بنيوية تتعلق بعجز الموازنة المزمن وضعف الاستثمار المنتج، وهي مشكلات لا تحلها الاتفاقيات السياسية الخارجية وحدها.
وبين سعيديان أن التحدي الاكبر يكمن في اختبار ما بعد الاتفاق، حيث ستكون السياسة الاقتصادية الداخلية هي الحكم النهائي على نجاح هذه المرحلة. واشار الى أن الاستقرار الحقيقي يتطلب توافقا بين السياسة الخارجية والاصلاحات المالية والنقدية، لضمان عدم تبدد المكتسبات التي قد تتحقق في البداية.
