اسدل الستار اليوم على حياة واحد من ابرز العقول التي شكلت ملامح النظام المالي في العصر الحديث وهو الان غرينسبان الذي غادر عالمنا عن عمر ناهز المئة عام تاركا خلفه ارثا ضخما من القرارات والتحولات الاقتصادية. كشفت مسيرة الراحل عن مزيج فريد بين شغفه الموسيقي وعقليته التحليلية التي جعلت منه المايسترو الذي قاد دفة الاقتصاد الامريكي والعالمي لعقود طويلة. واظهرت سيرة حياته ان رحلته لم تكن مجرد ارقام وجداول بل كانت رحلة بحث مستمرة عن الايقاع الذي يحرك الاسواق العالمية.

وبدات الحكاية في احياء نيويورك حيث كان غرينسبان طفلا مولعا بتسجيل احصائيات مباريات البيسبول بدقة متناهية بدلا من ممارسة اللعبة ذاتها. واضاف ان هذا الاهتمام المبكر بالتفاصيل الرقمية كان البذرة الاولى التي نمت لتتحول لاحقا الى نظرة ثاقبة في قراءة اتجاهات الاسواق وتحليل حركة البضائع وصناديق الشحن. وبين ان العالم في نظره كان عبارة عن سيمفونية منظمة تنتظر من يفك شفراتها ويفهم ايقاعها الخاص.

واكد ان انتقاله من دراسة الموسيقى في معهد جوليارد والعزف في فرق السوينغ الى اروقة المال والاعمال كان تحولا طبيعيا في مساره المهني. واوضح ان غرينسبان كان يرى الاقتصاد كمعزوفة موسيقية تتطلب توازنا دقيقا حيث ان اي نغمة نشاز قد تؤدي الى انهيار اللحن الاقتصادي بالكامل. وشدد على ان خبرته كعازف ساعدته كثيرا في فهم التناغم الذي يحتاجه النظام المالي ليبقى مستقرا.

من نغمات السوينغ الى قيادة الاحتياطي الفيدرالي

وكشفت السنوات ان ذكاء غرينسبان في التنبؤ بالازمات جعله الرجل الاول في مجلس الاحتياطي الفيدرالي عام 1987 ليتحول الى مايسترو حقيقي يضبط ايقاع البورصات العالمية بكلمات محسوبة. واضاف ان العالم كان يصمت تماما حين يتحدث ليفكك رموز تصريحاته التي كانت كفيلة برفع الاسواق او اسقاطها في لحظات. واشار الى ان تلك الفترة شهدت فترات ازدهار تاريخية جعلت الكثيرين ينظرون اليه كساحر لا يخطئ في حساباته.

وبين ان مرحلة الغروب المهني حملت معها تحديات صعبة تمثلت في الازمة المالية الكبرى التي كشفت عن ثغرات في النظام الذي دافع عنه طويلا. واوضح ان غرينسبان واجه الحقيقة بشجاعة امام الكونغرس حين اعترف بوقوعه في اخطاء تقديرية جسيمة تتعلق بقدرة الاسواق على حماية نفسها. واكد ان هذا الموقف عزز من صورته كشخصية بشرية قابلة للخطأ وليست ساحرا معصوما من الزلل.

واضاف ان ايامه الاخيرة كانت هادئة بعيدة عن صخب شاشات التداول حيث استعاد ذكريات طفولته وشبابه في نيويورك. وشدد على ان رحيله يمثل نهاية حقبة زمنية كاملة في تاريخ الاقتصاد العالمي. وخلص الى ان الدرس الاهم الذي تركه هو ان الاقتصاد سيظل دائما مليئا بالمفاجآت التي تفوق قدرة اي خبير على التنبؤ بها بشكل كامل.