يواجه غرب القارة الاوروبية اياما صعبة تحت وطاة موجة حر شديدة وغير مسبوقة تسببت في وفاة العشرات واجبرت السلطات على اغلاق معالم سياحية شهيرة مثل برج ايفل في باريس. وتتزامن هذه الظاهرة الطبيعية القاسية مع تصاعد حدة النقاش العالمي حول التغير المناخي، حيث دخل طرف جديد ومثير للجدل في معادلة استهلاك الموارد وهو قطاع الذكاء الاصطناعي الذي يتوسع بسرعة هائلة.
واظهرت البيانات المناخية ان درجات الحرارة تجاوزت حاجز 40 درجة مئوية في عواصم كبرى مثل مدريد، مما دفع الحكومات الى اعلان حالة الاستنفار لمواجهة التداعيات الصحية والبيئية. واكد ولي العهد البريطاني الامير وليام في هذا السياق ان الكوكب لم يعد يملك رفاهية التغيير البطيء، داعيا الى استجابة جماعية فورية للتصدي للتحديات التي تهدد الاستقرار البيئي العالمي.
وبين الخبراء ان القلق لا يقتصر على الانبعاثات الكربونية فحسب، بل يمتد ليشمل الاستهلاك المكثف للطاقة والمياه الذي تتطلبه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. واشار المشاركون في منتدى دافوس الصيفي الى ان هذه البنية التحتية التكنولوجية باتت تشكل ضغطا حقيقيا على الموارد الطبيعية في وقت يعاني فيه العالم من اضطرابات مناخية متزايدة.
التكلفة الخفية للذكاء الاصطناعي على الموارد المائية
وكشفت تقارير صادرة عن معهد جامعة الامم المتحدة للمياه والبيئة ان استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء قد يصل الى مستويات فلكية تقارب الف تيرواط ساعة سنويا. واضافت الدراسات ان الازمة تتجاوز حدود الكهرباء لتصل الى قطاع المياه، حيث يستهلك تبريد هذه الخوادم كميات ضخمة تعادل في مجملها الاستهلاك المنزلي لاكثر من مليار شخص بحلول نهاية العقد الحالي.
واوضحت دراسة حديثة ان حجم المياه المستخدمة لتبريد الخوادم قد يتخطى 3.2 مليار متر مكعب بحلول عام 2028، مع توقعات بان يقفز هذا الرقم الى 7 مليارات متر مكعب بحلول عام 2027، وهو ما يمثل نصف الحجم الاجمالي للاستهلاك المائي في بريطانيا. وتستهلك مراكز البيانات العملاقة ما بين لتر واحد وتسعة لترات من المياه لكل كيلوواط من الطاقة المستخدمة، حيث يتبخر معظمها دون ان يعود الى النظم البيئية.
واكدت التقديرات ان نسبة كبيرة من المياه المستخدمة في هذه العمليات هي مياه صالحة للشرب، مما يطرح تساؤلات اخلاقية وبيئية حول اولويات استخدام الموارد في ظل شح المياه العالمي. واشار المختصون الى ان هذه الارقام تعكس حجم التحدي الذي تفرضه التكنولوجيا الحديثة على كوكب يزداد سخونة يوما بعد يوم.
مطالبات اممية بالشفافية والتحول نحو الطاقة النظيفة
وطالب الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش شركات التكنولوجيا الكبرى بضرورة الافصاح الكامل عن الاثر البيئي لانظمتها التقنية. وشدد على ضرورة التزام هذه الشركات بتشغيل مراكز البيانات بالاعتماد الكلي على مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، معتبرا ان استمرار الوضع الحالي يلقي باعباء غير عادلة على الفئات الاكثر ضعفا.
واضاف غوتيريش ان المجتمع الدولي يرفض تحميل الشعوب الفقيرة تبعات التغير المناخي الناتجة عن التطور التكنولوجي غير المسؤول. واكد في الوقت ذاته على اهمية العمل بشفافية مطلقة لضمان ان يكون الذكاء الاصطناعي اداة لبناء مستقبل مستدام وليس سببا في استنزاف مقومات الحياة الاساسية.
وبين المراقبون ان الضغوط الدولية على شركات التكنولوجيا بدات تاخذ منحى اكثر جدية، حيث اصبح مطلب الاستدامة البيئية جزءا لا يتجزا من النقاش حول تنظيم الذكاء الاصطناعي. واشاروا الى ان السنوات القليلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما اذا كانت هذه الشركات ستنجح في موازنة ابتكاراتها مع الحفاظ على التوازن البيئي لكوكب الارض.
