تستقبل بلدة حمانا في جبل لبنان موسم قطاف الكرز بحالة من الترقب والنشاط المكثف اذ تتحول التلال الخضراء الى مساحات حمراء تعلن بدء موسم الرزق السنوي. يرى المزارعون في هذا الوقت من السنة فرصة ذهبية لا تعوض حيث يخرج الاهالي من سكونهم المعتاد ليعلنوا انطلاق مهرجان الكرز الذي يجمع بين عبق التراث والعمل الزراعي الشاق. يمثل الكرز في هذه المنطقة اكثر من مجرد محصول موسمي فهو يختزل حكايات من التعب والانتظار الذي يبدأ مع ساعات الفجر الاولى تحت اشجار لا تزال مبللة بقطرات الندى.

واوضح المزارع ناجي ابو الشلش ان التعامل مع اشجار الكرز يتطلب صبرا كبيرا ورعاية فائقة طوال العام مؤكدا ان الموسم الحالي اتسم بسخاء في الانتاج رغم ان غزارة المياه اثرت بشكل طفيف على حجم الحبات. وبين ان المزارعين يعيشون حالة من القلق الدائم بسبب تقلبات الطبيعة حيث ان زيادة المياه في الجذور قد تؤدي احيانا الى صغر حجم الثمار رغم وفرة المحصول. واكد ان كل شجرة في بساتين حمانا تعتبر جزءا من تاريخ العائلة وهو ما يجعل من عملية القطاف طقسا اجتماعيا يتجاوز حدود الربح والخسارة المادية.

واضاف المزارع ان التحديات الاقتصادية تفرض نفسها على واقع المزارعين في ظل غياب الضمانات الكافية لحماية المحاصيل من تقلبات الاسواق الخارجية. وشدد على ان عدد المزارعين الذين يعتمدون كليا على الكرز كمصدر دخل اساسي يظل محدودا مما يجعل من المهرجان السنوي نافذة حيوية لتسويق الانتاج بشكل مباشر. وكشفت التجارب الميدانية ان نجاح الموسم لا يقاس بالوزن فقط بل بقدرة المزارع على الحفاظ على جودة الثمار التي تشكل هوية البلدة الاقتصادية.

التراث الزراعي واقتصاد المهرجانات

واشارت ستيفاني رزق الى ان المهرجان اصبح يشكل جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية لاهالي حمانا حيث كان في السابق يضم فعاليات ثقافية تبرز مكانة الكرز في الهوية المحلية. واوضحت ان هذا الحدث لم يعد يقتصر على البيع والشراء بل تحول الى مساحة مفتوحة لتبادل الخبرات والذكريات بين الاجيال. وبينت ان المحافظة على هذا التراث تعد اولوية بالنسبة للكثيرين الذين يحرصون على التواجد سنويا لتعريف الزوار باهمية الحفاظ على الارض وزراعتها.

واكد المزارع رامي ان العمل في البساتين يبدأ قبل اشهر من بدء الموسم من خلال عمليات الري والمراقبة اليومية لحماية المحاصيل من الافات الزراعية. واضاف ان بيع طن كامل من الكرز في يوم واحد يمثل نجاحا موسميا لافتا لكنه يظل في اطار الدخل المؤقت الذي لا يحقق استقرارا طويل الامد للمزارعين. واوضح ان التحديات التي تواجه المزارع اليوم تتركز في صعوبة الوصول الى الاسواق وارتفاع تكاليف الانتاج التي تجعل من سعر الكيلوغرام معادلة دقيقة ومعقدة.

واضافت ريتا المشاركة في عرض المنتجات ان الابتكار في تقديم الكرز من خلال صناعة حلويات ومشروبات خاصة مثل تشيري ليموناد ساهم في تعزيز قيمة المحصول. واوضحت ان هذه المنتجات تعكس قدرة اهالي البلدة على تحويل التحديات الى فرص سياحية تجذب الزوار من مختلف المناطق اللبنانية. واكدت ان هذا النشاط يمنح البلدة حيوية استثنائية تجعل من موسم القطاف تجربة متكاملة تجمع بين السياحة والزراعة في قالب واحد.

معادلة الاستقرار والهشاشة الاقتصادية

وبينت تقارير منظمة العمل الدولية ان قطاع الكرز في لبنان يعتمد بشكل كبير على العمالة الموسمية التي تنشط في فترات القطاف والفرز والتوضيب. واوضحت ان هذا النموذج الاقتصادي يوفر دخلا مؤقتا للعائلات الريفية دون ان يوفر حماية من تقلبات السوق او الظروف المناخية القاسية. واكدت ان بلدة حمانا تجسد هذه المفارقة بوضوح حيث تعيش حركة اقتصادية نشطة ومكثفة تليها فترات من السكون والانتظار.

واضاف ناجي ابو الشلش ان الشجرة بالنسبة للمزارع في حمانا تمثل رهانا اقتصاديا قد يؤمن مصروف العام بأكمله او يترك خلفه ديونا ومخاوف تتكرر كل صيف. واوضح ان غياب الضمانات الحقيقية يجعل المزارع في حالة مواجهة مستمرة مع الطبيعة وتقلبات الطلب في السوق المحلي. وشدد على ان المزارع لا يملك سوى خبرته وتوارثه لمهنة الاجداد لمواجهة هذه الظروف الصعبة.

واكدت الخاتمة ان المهرجان ينتهي بطي الطاولات واعادة السلالم الخشبية الى اماكنها لتعود الاشجار الى سكونها المعهود بانتظار موسم جديد. وبين ان المزارعين يظلون معلقين بامل ان يكون الموسم القادم افضل من سابقه في اختبار متجدد لعلاقتهم بالارض. واضافت ان حمانا ستظل تحتفظ بمكانتها كوجهة زراعية وسياحية تعتمد على خيرات الارض وفرص عابرة تتكرر مع كل صيف.