بقلم المحامية هنزاد التل،،،،
منذ أن عرف الإنسان الرياضة، كانت أكثر من مجرد منافسة بين فرق أو منتخبات، فقد كانت لغة عالمية تتجاوز الحدود والجغرافيا والثقافات. في الملعب يلتقي الجميع تحت راية واحدة: احترام المنافس، تقدير الموهبة، والاحتفال بالإنجاز بعيدًا عن أي خلافات أخرى.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الرياضة من مساحة تجمع إلى ساحة صراع، وعندما نحمل اللاعبين والجماهير أعباء الخلافات السياسية التي لا علاقة لها بجوهر المنافسة الرياضية.
الأخطر من ذلك أن التعصب بدأ يجعل البعض يحكم على الآخرين من خلال المنتخب الذي يشجعونه؛ فأصبح المشجع أحيانًا يُهاجم أو يُرفض فقط لأنه اختار فريقًا أو منتخبًا مختلفًا. وهذا أمر لا يليق بقيم الرياضة ولا بعلاقات البشر، فاختلاف التشجيع لا يجب أن يتحول إلى كراهية أو اتهام أو خصومة.
السياسة لها ساحاتها وأدواتها، تُناقش في المحافل الرسمية والمؤسسات المختصة، أما الرياضة فلها رسالتها الخاصة؛ رسالة تقوم على الروح الرياضية، والتقارب بين الشعوب، وإظهار أفضل ما في الإنسان من قدرة على التحدي والانضباط والعمل الجماعي.
عندما نخلط السياسة بالرياضة، لا نخسر مباراة فقط، بل نخسر قيمة أكبر: نخسر فرصة أن تكون الرياضة جسرًا للتواصل بين الناس. فكم من لقاء رياضي جمع شعوبًا مختلفة، وكم من لاعب أصبح رمزًا يتابعه الملايين ليس بسبب موقفه السياسي، بل بسبب موهبته وأخلاقه وإصراره.
إن تحويل أي مباراة إلى معركة سياسية يضعف جمال الرياضة، ويجعل الجماهير تنظر إلى المنافس كخصم خارج حدود الملعب، بدل أن تراه منافسًا يستحق الاحترام. وهنا تضيع الرسالة الحقيقية للرياضة، التي تقوم على أن الفوز لا يكتمل إلا بالأخلاق، وأن المنافسة لا تعني العداء.
نحن لا نطالب أحدًا بالتخلي عن قناعاته أو آرائه، فالاختلاف حق طبيعي بين البشر، لكن الحكمة تكمن في معرفة المكان المناسب لكل شيء. فالملعب مكان للتنافس، والسياسة مكان للحوار والنقاش واتخاذ القرارات.
في عالم مليء بالأزمات والانقسامات، تحتاج الشعوب إلى مساحات تجمعها أكثر من أي وقت مضى، والرياضة واحدة من أجمل هذه المساحات. لذلك يجب أن نحافظ عليها كجسر للمحبة والتعارف، لا كأداة جديدة لتعميق الخلافات.
لنجعل تشجيعنا للمنتخبات تعبيرًا عن الفرح والانتماء، لا سببًا للكراهية. لنحتفل بالانتصار بروح رياضية، ونتقبل الخسارة باحترام، لأن قيمة الإنسان لا تحددها نتيجة مباراة، وقيمة الوطن لا تختصرها لحظة رياضية.
فالرياضة قد تنتهي بصافرة الحكم، لكن أثرها في قلوب الناس يجب أن يبقى رسالة احترام وسلام.
