تتجه الانظار في ليبيا نحو انتخابات رئاسة المجلس الاعلى للدولة المقرر عقدها نهاية الشهر الجاري، حيث تشتد حدة التنافس بين التيارات السياسية لرسم مسار جديد في مشهد يعاني من تعقيدات كبيرة. ويعد هذا الاستحقاق اكثر من مجرد عملية اختيار تقليدية، اذ يمثل محطة مفصلية في ظل صلاحيات المجلس الواسعة كشريك اساسي في صياغة القوانين الانتخابية وتحديد ملامح الحل السياسي الشامل في البلاد.

واظهرت القراءات السياسية ان التنافس هذا العام يكتسب اهمية استثنائية نظرا للانقسام الحاد بين المعسكرات الفاعلة، حيث يسعى كل تيار لضمان موقع نفوذ يتيح له توجيه دفة التحالفات المقبلة. واكد مراقبون ان نتائج هذه الانتخابات ستكون مؤشرا دقيقا على موازين القوى الجديدة، خاصة مع تعدد الاسماء المرشحة التي تمثل توجهات سياسية متباينة في ظل الازمة الراهنة.

واضاف المحللون ان المشهد الانتخابي يتأثر بشكل مباشر بتباين المواقف تجاه المبادرات الدولية، بما في ذلك المبادرة الامريكية الاخيرة التي اثارت جدلا واسعا حول تقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات. وبينت المعطيات ان بعض التيارات داخل المجلس تبدي تحفظها على هذه الطروحات، بينما يراها اخرون فرصة للخروج من حالة الجمود السياسي التي تسيطر على البلاد منذ سنوات.

صراع التيارات وتأثير التحالفات السياسية

وكشف اعضاء في المجلس الاعلى للدولة عن وجود تيارين رئيسيين يتصارعان على قيادة المرحلة القادمة، حيث يمثل التيار الاول التوجه نحو الدولة المدنية والتمسك بالانتخابات الوطنية، بينما يميل التيار الثاني نحو التنسيق مع القوى الفاعلة في الشرق الليبي. واكد محمد معزب ان التجاذبات داخل المجلس تعكس انقساما فكريا عميقا، مع وجود كتلة متأرجحة قد تحسم النتيجة لصالح احد الطرفين بناء على المصالح السياسية او المناطقية.

واوضح علي السويح ان الصراع الانتخابي يتجاوز الاشخاص ليصل الى جوهر المرجعية السياسية المتمثلة في اتفاق الصخيرات، مشددا على ضرورة الالتزام بنصوص الاتفاق لانهاء المراحل الانتقالية وتشكيل حكومة موحدة قادرة على معالجة الازمات الاقتصادية والمعيشية. واشار الى ان المرحلة تتطلب قيادة واعية قادرة على تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.

واضاف سعد بن شرادة ان النقاشات الدائرة حول المبادرات الخارجية لا ينبغي ان تطغى على جوهر العمل المؤسسي، مبينا ان المطلوب هو تفعيل الاطر الحوارية التي ترعاها البعثة الاممية لضمان تنفيذ خارطة الطريق. واكد ان التحدي الحقيقي امام الرئيس الجديد يكمن في استعادة ثقة الشارع الليبي الذي بات يشعر بالاحباط نتيجة استمرار الخلافات بين السلطات التشريعية.

تحديات المرحلة امام القيادة الجديدة

وبينت التحليلات ان الرئيس القادم للمجلس الاعلى للدولة سيواجه مهمة صعبة للغاية، في ظل ضغوط شعبية متزايدة وانتقادات دولية لعرقلة المسار الانتخابي. واكد الخبراء ان القوى الكبرى بدات تبتعد عن الاعتماد الكلي على المجالس السياسية التقليدية، مما يضع المجلس امام تحدي اثبات فاعليته ودوره في حسم القضايا الوطنية العالقة.

واضافت المصادر ان الانقسام بين حكومتي طرابلس والشرق يفرض واقعا معقدا على اي قيادة جديدة، موضحا ان النجاح في ادارة هذا الملف يتطلب قدرة فائقة على المناورة السياسية وبناء جسور الثقة مع مختلف الاطراف العسكرية والمدنية. واكد ان المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل العملية السياسية في ليبيا بشكل نهائي.

واختتم المراقبون بالاشارة الى ان صندوق الاقتراع في المجلس الاعلى للدولة سيكون الاختبار الاول لمدى قدرة النخب السياسية على التكيف مع المتغيرات الدولية والداخلية. واكدوا ان الاستقرار في ليبيا مرهون بقدرة هذا المجلس على تجاوز صراعات التيارات والتركيز على هدف واحد وهو الوصول بالبلاد الى انتخابات عامة تنهي المراحل الانتقالية.