​أمام السادة الأعيان والنواب من أجل تجويد القانون؛

- مشروع "تنظيم العمل المهني"؛ عندما ندمج التنظيم بالحماية

- مطلوب مجلس "تظلّم مهني"
- نحو تأطير لمزاولة غير الأردنيين
- تصنيف مهني ملتزم بمعايير الخطورة
- مظلة شمول مرنة بالضمان
- برامج تحفيز للمهنيين الجُدد
- استحداث نافذة موحّدة للمهنيين

​يعتبر مشروع قانون "تنظيم العمل المهني لسنة 2026" المعروض على مجلس الأمة اليوم أحد أهم التشريعات الاقتصادية والاجتماعية الحيوية التي تمس مباشرة قوت ومعيشة مئات الآلاف من الأسر الأردنية، ويُشكّل عصب الاقتصاد المحلي.

​وبالرغم من أن المحاور الثلاثة التي يقوم عليها مشروع القانون (منح إجازة مزاولة المهنة، ترخيص مزودي خدمات التدريب، واعتماد البرامج والمدربين) تضع حجر الأساس للحد من العشوائية والانتقال تدريجياً نحو الاقتصاد المنظم وحماية المستهلك، إلا أن الصياغة الحالية وما رشحَ من تعديلات طفيفة أجرتها لجنة العمل النيابية على المشروع، لا يزال دون مستوى الطموح الاقتصادي التنموي الشامل.

​لقد حاولت لجنة العمل النيابية إضفاء صبغة مؤسسية على المشروع عبر تعديلات طفيفة ــ كاستبدال سلطة "المفتش الفرد" بـ "لجنة تفتيش" جماعية، وإشراك أمين عام وزارة الصناعة والتجارة في اللجنة العليا، وهي تعديلات مهمة،  لكنها غير كافية، ولم تدخل في عمق الأزمة الحقيقية للقطاع الحرفي والمهني.

كما أن ترحيل بعض العُقَد، إذا جاز التعبير،  إلى أنظمة وتعليمات تصدرها وزارة العمل لاحقاً ينزع عن القانون قوته التنفيذية، ويعيدنا إلى مربّع الاجتهاد في قضايا تشريعية حيوية.

بناءً عليه، ومن أجل محاولة تجويد هذا القانون وضمان نجاح تطبيقه على أرض الواقع دون تضييق الخناق على صغار المهنيين والحرفيين، رأيت من واجبي أن أضع أمام أصحاب السعادة الأعيان والنواب (10) مقترحات وضمانات جوهرية أرى ضرورة إدماجها في صلب التشريع قبل إقراره بصيغته النهائية:

​أولاً: مظلة الشمول الإلزامي المرن بالضمان الاجتماعي:

​ذلك أن غياب نصوص صريحة تنظم الحماية الاجتماعية للعاملين يُعد الثغرة الأكبر في القانون. إن القيمة الحقيقية لتنظيم العمل المهني تكمن في ربط منح إجازة مزاولة المهنة وتراخيص المنشآت بالاشتراك بأحكام قانون الضمان الاجتماعي، وضمن آلية شمول مرنة تدريجية تلائم القدرات المالية للحرفيين والصغار، لتأمينهم ضد مخاطر الشيخوخة والعجز وإصابات العمل، دون إثقال كاهل منشآتهم.

​ثانياً: برامج دعم وتحفيز للمهنيين الجدد:

وذلك ​لتشجيع الامتثال الطوعي ومنع التهرب، أقترح إدراج مادة تلزم الحكومة بإطلاق برنامج دعم جزئي، تساهم فيه الدولة بنسبة 50% من اشتراكات الضمان الاجتماعي المترتبة على المهنيين والحرفيين الجدد في سنواتهم الأولى، مما يشكل حافزاً للانضمام لمظلة الحماية الاجتماعية بدلاً من الخروج منها.

​ثالثاً: مشروع حماية لا جباية:

​يجب أن لا يتحول التنظيم إلى أداة جباية تدفع الحرفي البسيط نحو البقاء في دائرة الظل الاقتصادي، إن ترك رسوم رخص إجازة المزاولة مجهولة وخاضعة للتعليمات يُشيع القلق والتخوف، لذا أقترح أن يكون هناك نص صريح على مجانية إصدار إجازات المزاولة للمرة الأولى، أو إقرار رسم رمزي موحد ومحدد بالقانون غايته التنظيم وتوثيق البيانات، وليس الجباية.

​رابعاً: فترة تصويب أوضاع متدرجة (من سنة إلى 3 سنوات):

​أرى أن زيادة مهلة تقديم الاعتراضات إلى (30) يوماً بدلاً من (15) يوماً خطوة إيجابية، لكنها غير كافية لتهيئة القطاع. 
كما أن لانتقال السلس للقطاع غير الرسمي يتطلب منح الورش والمنشآت فترة تصويب أوضاع عامة وواقعية تتراوح بين سنة إلى 3 سنوات، تترافق مع حزم تسهيلات، لتفادي المخالفات والغرامات الفورية التي تؤدي للإثقال على المنشآت وقد تقود إلى إغلاقها وفقدان العاملين فيها لأعمالهم.

​خامساً: إنصاف ذوي الخبرة الميدانية وآلية التقييم العملي:

​اكتفى المشروع بإشارات عامة لمن يملك خبرة مسبقة، وهنا أرى ضرورة إدراج آلية قانونية صريحة للاعتراف بالخبرات الميدانية المتوارثة؛ بحيث تُعطى الأولوية للتقييم والاختبارات العملية الميدانية الميسرة (والإعفاء من التقديم الأكاديمي أو الكتابي وأحيانا العملي) لمن يثبت ممارسته للمهنة لسنوات طويلة نسبياً، إنصافاً لهم واعترافاً بسيرتهم وكفاءتهم.

​سادساً: التمايز والتصنيف المهني الملتزم بمعايير الخطورة:

​أسقط مشروع القانون تصنيف المهن ووضع درجات محددة لها. وأرى أنه لا بد للتشريع أن يميّز بوضوح بين القطاعات والحرف بناءً على معايير علمية: درجة الخطورة، الأثر على السلامة العامة، ومستوى التأهيل المطلوب.تعقيدات المهنة، فلا يُعقَل أن نتعامل مع تنظيم حرفة بسيطة كما نتعامل مع مهن ترتبط بشرائح الجهد الكهربائي العالي مثلاً أو التركيبات الإنشائية المعقدة.!

​سابعاً: حسم تداخل الصلاحيات وإنشاء "النافذة الموحدة" (فك التنازع الإداري):

​لم يحسم القانون بشكل قاطع خطوط الفصل بين مسؤوليات وزارة العمل، ومؤسسة التدريب المهني، وهيئة الاعتماد وضمان الجودة، مما قد يؤدي إلى تداخل يتسبب ببيروقراطية معقدة. واقترح هنا إدراج نص قانوني صريح يحدد المرجعية النهائية، مع نص يُلزم بإنشاء "نافذة إلكترونية موحدة" للمهني والحرفي حفاظاً على وقته ومنعاً لمراجعات بيروقراطية بين الدوائر.

​ثامناً: ربط السلامة والصحة المهنية بالدعم الفني:

​يُعتبر قطاع العمل المهني من أعلى القطاعات تعرضاً لحوادث وإصابات العمل، لذا يجب أن لا تقتصر اشتراطات السلامة المهنية على العقوبات والتفتيش، بل أرى ضرورة أن ينص القانون على توفير برامج توعية ودعم فني مجاني من قِبل الوزارة لتدريب المهنيين وتزويدهم بمعايير السلامة والصحة المهنية حفاظاً على سلامتهم ولرفع مستوى تنافسيتهم.

​تاسعاً: حماية المنتج والعمالة الوطنية (تأطير مزاولة غير الأردنيين):

​يجب أن يتضمن القانون نصاً واضحاً يربط منح إجازة المزاولة للعمالة غير الأردنية بالنسب المحددة في خطة إحلال العمالة الوطنية، مع فرض اشتراطات أكثر تحديداً لضمان عدم منافسة الحرفيين الأردنيين في المهن المخصصة لهم، وتتبع حقيقي لمنح التراخيص والإجازات.

​عاشراً: حوكمة التفتيش وإنشاء "مجلس تظلم مهني":

​التعديل الذي أدخلته لجنة العمل النيابية باستبدال المفتش الفرد بـ "لجنة تفتيش" خطوة جيدة، لكنها لا تحل المعضلة إذا بقيت اللجنة هي الخصم والحكم. لذا أقترح إضافة إلى ذلك التعديل أن يتم النص على إنشاء "مجلس تظلم مهني" حيادي يضم ممثلين عن الوزارة والقطاع الحرفي، ينحصر دور التفتيش في رصد المخالفات وتوثيقها، بينما يتولى "مجلس التظلم" مراجعة الاعتراضات وسماع دفاع المهني قبل إنفاذ القرارات الإدارية بعقوبات الإيقاف أو الغرامة مثلاً، ضماناً لعدالة الإجراءات وعدم التعسف في استخدام السلطات التقديرية.

أخيراً، فإنني آمل ​من السادة أعضاء مجلس الأمة قراءة هذه الملاحظات والضمانات بأناة وعمق، وتعديل مواد القانون بما يوازن بين متطلبات التنظيم وحماية لقمة عيش المهني والحرفي الأردني.

(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).

خبير التأمينات والحماية الاجتماعية

الحقوقي/ موسى الصبيحي