غيب الموت الباحث الامريكي روجر سوميت عن عمر ناهز خمسة وتسعين عاما تاركا خلفه ارثا تقنيا ضخما وضع من خلاله اللبنة الاولى للبحث الرقمي الذي تعتمد عليه البشرية اليوم. ويعد سوميت العقل المدبر الذي استشرف مستقبل المعلومات قبل ربع قرن كامل من ظهور محرك البحث الشهير جوجل. مبينا ان رؤيته التي بدات كفكرة بسيطة تحولت الى نظام متكامل يتيح للمستخدمين الوصول الى البيانات والوثائق العلمية عبر طرفيات حاسوبية في وقت كان فيه العالم لا يزال بعيدا عن ثورة الانترنت والحواسيب الشخصية التي نراها في يومنا هذا.

واوضحت التقارير التقنية ان مسيرة سوميت بدات في اواخر ستينيات القرن الماضي عندما نجح في بناء نظام فريد عرف باسم ديالوج. واضاف الراحل في وقت سابق ان هذا النظام كان يتيح للباحث طرح اسئلته واستقبال قائمة فورية بالمصادر المطابقة للمعلومات المطلوبة. واكد الخبراء ان هذا الابتكار يمثل النواة الاساسية التي ترتكز عليها كافة عمليات البحث الحديثة سواء عبر محركات البحث العملاقة او من خلال نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تحاكي في جوهرها فكرة الحوار بين الانسان والالة التي وضعها سوميت قبل عقود طويلة.

وشدد الباحثون على ان اعتماد تجربة المستخدم اليوم على البحث في ارشيفات ضخمة من البيانات هو امتداد مباشر لما قدمه سوميت من حلول تقنية رائدة. وبين ان هذا النظام لم يكن مجرد اداة تقنية بل كان طفرة في ادارة المعرفة البشرية. واشار الى ان هذه التقنية مهدت الطريق لاحقا لظهور منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث التي اصبحت اليوم جزءا لا يتجزا من روتين حياة مليارات البشر حول العالم.

فكرة ولدت من وحي السفر

وكشفت تفاصيل مسيرة سوميت انه وضع اساس نظامه خلال رحلة عائلية طويلة عام الف وتسعمائة وستة وستين. واضاف انه قام بتسجيل افكاره حول محرك البحث الرقمي على شريط صوتي بينما كان يتامل في كيفية تسهيل الوصول الى المعلومات. واكد ان هذا التسجيل كان الشرارة الاولى لمشروع ديالوج الذي صممه اثناء عمله كباحث في شركة لوكهيد الامريكية للصواريخ والفضاء. مبينا ان الفكرة اعتمدت على ربط الباحث بالمكتبات العلمية عن بعد وبشكل فوري.

واظهرت الممارسة العملية ان نظام ديالوج كان يمثل قفزة نوعية في عالم الفهرسة التقليدية. واشار سوميت الى ان المستخدم كان يستغني عن البحث اليدوي المرهق في المكتبات ويكتفي بكتابة استفساره ليقوم الحاسوب باسترجاع كافة الوثائق ذات الصلة. واضاف ان اسم ديالوج جاء تعبيرا عن حالة الحوار التفاعلي بين الباحث والحاسوب للوصول الى النتائج المطلوبة بدقة وسرعة فائقة.

واكدت التقارير ان سوميت قاد فريق عمل متميزا لتحويل هذه الفكرة الى منتج تجاري ناجح. واضاف ان هذا الانجاز سبق ظهور عمالقة التكنولوجيا مثل ياهو وجوجل بنحو خمسة وعشرين عاما. وبين ان هذا السبق التقني جعل من نظام ديالوج مرجعا اساسيا للعديد من المؤسسات البحثية والعلمية في ذلك الوقت.

شراكة تاريخية مع ناسا

وكشفت العلاقات القوية التي تمتعت بها شركة لوكهيد ان سوميت قدم عرضا اوليا لنظام ديالوج امام وكالة الفضاء الامريكية ناسا عام الف وتسعمائة وثمانية وستين. واضاف ان النظام تحول الى خدمة تجارية فعلية بحلول عام الف وتسعمائة واثنين وسبعين. واكد ان هذا التعاون فتح افاقا جديدة للبحث الرقمي واثبت فاعلية المنظومة في التعامل مع قواعد بيانات تضم مئات الالاف من الابحاث العلمية المعقدة.

واظهرت مقابلات ارشيفية ان سوميت كان يصف تجربته مع النظام بانها اشبه بفتح مغارة علي بابا للمعلومات. واضاف ان زملاءه في العمل كانوا يجدون في النظام وسيلة لا غنى عنها لتفادي عناء البحث من الصفر. وبين ان علماء ناسا اندهشوا عند تجربة النظام للمرة الاولى حيث وصفوه بانه اقرب الى السحر نظرا لقدرته على تقديم نتائج دقيقة عبر خطوط الهاتف الارضية.

واكدت التقارير ان سوميت نال العديد من الجوائز المرموقة تقديرا لجهوده في تطوير تقنيات المعلومات. واضاف ان معهد مهندسي الكهرباء والالكترونيات كرمه بوسام المعالم التاريخية عام الفين وتسعة عشر. وبين ان هذا التقدير جاء متاخرا ليعيد تسليط الضوء على شخصية ساهمت في صياغة وجه العالم الرقمي رغم نسيان الكثيرين لدوره الريادي.

نهاية الرحلة وبصمة الخلود

واظهرت الاحداث ان سوميت واصل مسيرته الحافلة بالابتكار حتى سنواته الاخيرة. واضاف انه خلال زيارة لشركة جوجل عام الفين وخمسة طلب من الحاضرين تحديد مدى معرفتهم بنظام ديالوج فكانت النتيجة صادمة بقلة العارفين بهذا التاريخ. واكد ان هذا الموقف يعكس مدى التطور السريع الذي قد يطوي صفحات الرواد الاوائل في زحمة الابتكارات المتلاحقة.

وكشفت الانباء ان وفاة سوميت جاءت اثر حادث سير اليم في مجمع للمتقاعدين بكاليفورنيا. واضافت التقارير انه توفي في مستشفى ستانفورد متاثرا بجراحه. وبين ان رحيله يمثل نهاية حقبة زمنية تاسيسية لواحد من اهم الاباء المؤسسين لعصر الانترنت الذي نعيشه اليوم.

واكد الخبراء ان ذكرى روجر سوميت ستبقى محفورة في سجلات التاريخ التقني. واضافوا ان ارثه لن يندثر طالما بقيت محركات البحث تعمل وتلبي احتياجات البشر. وبين ان كل عملية بحث نقوم بها اليوم هي تحية صامتة لهذا الرجل الذي سبق عصره بربع قرن.