بقلم رافي العدوان
شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا للمجالس الشبابية والمبادرات غير الربحية، وهو في الحقيقة أمر إيجابي يُثلج الصدر؛ لأنه يعكس حيوية الشباب ورغبتهم الصادقة في أن يسهموا في بناء المستقبل، انسجامًا مع الرؤى الملكية السامية الداعمة لتمكينهم. لكن بصراحة، ومع هذا التوسع السريع، بدأت تظهر سلوكيات تمس جوهر العمل الشبابي، وبات من الضروري أن نضع أيدينا عليها.
من أهم هذه الظواهر، ذلك التعامل الغريب مع ألقاب مثل "رئيس" أو "قائد". فجأةً، أصبح البعض يتعاطى مع هذه المسميات وكأنها مناصب سيادية في الدولة، مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير. إن رئاسة أي مجلس شبابي ليست وظيفة حكومية ولا سلطة على أحد، بل هي مجرد مسؤولية تنظيمية هدفها خدمة الفريق وتنسيق الجهود. والعين دائمًا يجب أن تكون على عمق الأثر، لا على سعة المسمى.
القائد الحقيقي لا يحتاج إلى أن يذكّر الناس كل يوم بأنه قائد، ولا يقيس نجاحه بعدد الصور واللقاءات والكلام الرنان؛ فأثره هو من يتحدث عنه، ونجاح فريقه هو البرهان الحقيقي. والمشكلة تبدأ تمامًا عندما تتحول المبادرة إلى منصة ليستعرض الشخص ذاته، بدلًا من أن تكون مساحة لبناء المشاريع وصقل مهارات بقية الشباب.
والأهم من هذا كله، هو أن نتعامل مع المشهد الشبابي بمنطق التكامل لا المنافسة؛ فالنجاح في القطاع التطوعي ليس كعكة يتصارع الجميع لاقتطاع الجزء الأكبر منها، بل هو بناء نكمله جميعًا. نجاح أي مبادرة هو كسب للجميع، وتعثر أخرى يستوجب منا يد العون والدعم، لا التفرّج أو الاستغلال.
المجالس الشبابية لم تُنشأ لنتنافس فيها على من يبدو أكثر أهمية، بل لكي نعمل بروح الفريق الواحدة. وهنا خلّينا نكون واضحين ونسأل أنفسنا بصراحة: هل هدفنا أن نضيف لقبًا جديدًا إلى سيرتنا الذاتية، أم أن نترك أثرًا حقيقيًا في مجتمعنا؟
في النهاية، الألقاب والمناصب الشرفية تزول بزوال التكليف، وحدها المخرجات الحقيقية والأثر الطيب هما ما يبقى. ما نحتاجه اليوم هو قدر أكبر من النضج، وأن نركز على التعاون والثقة؛ فحين تكون غايتنا واحدة، يصبح نجاح أي فرد منا هو نجاح للجميع.
