لم يعد التنافس في عالم السيارات الكهربائية يقتصر على الشكل الخارجي او قوة المحرك او حتى المسافة التي تقطعها المركبة بالشحنة الواحدة، بل تحول الامر الى صراع محموم للهيمنة على سلسلة القيمة باكملها بدءا من مناجم المعادن النادرة وصولا الى البرمجيات الذكية وانظمة التصنيع المتقدمة. واظهرت المعطيات ان الصين نجحت في اقل من عقدين في التحول من لاعب ثانوي الى القوة المهيمنة عالميا متجاوزة عمالقة الصناعة في امريكا واوروبا واليابان بفضل رؤية استراتيجية استثمرت فيها بكين لعقود طويلة.
واكد خبراء ان هذا التفوق ليس وليد الصدفة بل نتيجة طبيعية لخطط صناعية متكاملة ومستمرة، واضافوا ان بكين ادركت منذ مطلع الالفية ان اللحاق بالغرب في محركات الاحتراق التقليدية امر بالغ الصعوبة فقررت القفز مباشرة نحو مستقبل التنقل الكهربائي لتغيير قواعد اللعبة التنافسية لصالحها.
وبينت التحليلات ان الحكومة الصينية قدمت دعما ماليا سخيا للمستهلكين واعفاءات ضريبية كبيرة، كما دفعت الشركات المحلية للاسراع في الابتكار بدلا من التمسك بالتقنيات القديمة مما خلق اكبر سوق للمركبات الكهربائية في العالم ومنح الشركات الصينية ميزة الحجم التي يصعب على المنافسين مجاراتها.
البطاريات هي القلب النابض للهيمنة الصينية
وكشفت تقارير وكالة الطاقة الدولية ان الصين تستحوذ على اكثر من 80% من انتاج خلايا البطاريات عالميا، واوضحت ان بكين تسيطر على مفاصل الصناعة بما في ذلك 85% من مواد الكاثود واكثر من 90% من مواد الانود المستخدمة في بطاريات السيارات حول العالم.
واضافت ان شركات مثل سي ايه تي ال وبي واي دي لم تعد مجرد مصنعين محليين، بل تحولت الى موردين اساسيين لعمالقة السيارات في مختلف القارات، واكدت ان هذا الانتشار جعل من المكونات الصينية جزءا لا يتجزأ من الصناعة العالمية.
واشار المختصون الى ان قوة الصين تمتد الى ما وراء المصانع لتشمل السيطرة على مناجم الليثيوم والنيكل والكوبالت في افريقيا وامريكا الجنوبية واستراليا، واضافوا ان الصين تكرر نحو ثلثي الليثيوم العالمي مما يمنح شركاتها استقرارا في الامدادات وتكاليف انتاج لا يمكن لاحد منافستها.
التصنيع الضخم والتحول نحو المنصات الرقمية
واظهرت البيانات ان الانتاج واسع النطاق داخل السوق الصينية ساهم في خفض تكاليف التصنيع بشكل قياسي، وشدد المحللون على ان المنافسة الشرسة بين الشركات المحلية داخل الصين اجبرت الجميع على خفض الاسعار وتسريع وتيرة الابتكار التقني.
واضافت التقارير ان اسعار حزم البطاريات في الصين انخفضت بنسبة 30% خلال الفترة الماضية، وهو انخفاض يفوق بكثير ما حققه المنافسون في الاسواق الغربية مما منح السيارات الصينية افضلية سعرية حاسمة في الاسواق الدولية.
ووضحت الشركات الصينية رؤيتها بان السيارة اصبحت منصة رقمية متصلة بالانترنت، واكدت ان دمج الذكاء الاصطناعي وتحديثات البرمجيات عبر السحابة منح المركبات الصينية ميزات تقنية وتجربة مستخدم تفوقت على السيارات التقليدية التي تعتمد على انظمة اقل مرونة.
التوسع العالمي وتحديات المستقبل
وكشفت ارقام الصادرات ان علامات مثل بي واي دي ونيو واكس بنغ تشهد نموا متسارعا في اوروبا والشرق الاوسط وامريكا اللاتينية، واضافت ان هذه الشركات تستغل تفوقها التقني واسعارها التنافسية لغزو اسواق كانت تعتبر في السابق حكرا على الشركات الغربية.
ورغم النجاح الكبير، تواجه الصين تحديات جديدة تتمثل في الرسوم الجمركية المشددة التي فرضتها دول غربية، واكد مراقبون ان الغرب يحاول الان بناء سلاسل توريد مستقلة لتقليل الاعتماد على بكين في قطاع البطاريات والقيادة الذاتية.
واختتم الخبراء بالقول ان المنافسة في المرحلة القادمة ستنتقل الى بطاريات الحالة الصلبة وتقنيات الصوديوم، واضافوا انه رغم المحاولات الغربية لتعويض الفارق، الا ان الصين لا تزال تمتلك افضلية هيكلية وتكاملا صناعيا يجعلها اللاعب الاكثر تأثيرا في رسم مستقبل النقل الكهربائي عالميا.
