من أبجديات القرارات الإدارية والقانونية أن هناك قرارات كاشفة وأخرى منشئة؛ فالقرار الكاشف لا ينشئ مركزاً قانونياً من العدم، وإنما يكشف عن مركز أو واقع قانوني قائم ومستقر، ويعبّر عنه أو يقرره في صورة رسمية.

ومن هذه الزاوية تحديداً يجب قراءة الكتاب الصادر عن نقابة المحامين الأردنيين بتاريخ 30/7/2026، والذي أثار في الأيام الماضية جدلاً واسعاً جرى تحميله أكثر مما يحتمل، وإخراجه من سياقه القانوني إلى سياقات أخرى لا تمت إلى حقيقته بصلة.

فالكتاب، في حقيقته، لم ينشئ حقاً جديداً، ولم يفتح باب الانتساب لأبناء الأردنيات على إطلاقه، ولم يبتدع صلاحية لمجلس النقابة، ولم يتجاوز حكماً تشريعياً، ولم يخصص منفعة لفئة بعينها، ولم يكن بأي حال من الأحوال خروجاً على القانون أو اختراعاً لصلاحيات غير موجودة.

إنما جاء الكتاب كاشفاً عن واقع قانوني وإداري مستقر في عمل مجالس نقابة المحامين المتعاقبة منذ عام 2022، وفي حدود السلطة التي يقررها قانون النقابة لمجلسها في النظر بطلبات التسجيل واتخاذ القرار بشأنها.

فالقانون هو الذي وضع الأصل، والاستثناء، وشروط التسجيل لغير الأردني من حملة الجنسية العربية، ومن بينها مدة حمل الجنسية العربية وشرط المعاملة بالمثل، كما أن المادة (93) من قانون نقابة المحامين جعلت النظر في طلبات التسجيل واتخاذ القرارات بشأنها من صميم اختصاص مجلس النقابة.

ثم إن مجالس النقابة، منذ عام 2022، لم تتعامل مع شرط الجنسية العربية والمعاملة بالمثل باعتبارهما شرطين آليين يؤدي توافرهما حتماً إلى القبول، وإنما مارست سلطتها التقديرية في ضوء ما استقر عليه القضاء الإداري، وبما يراعي مصلحة النقابة وأعضائها وديمومة صناديقها ومستقبل المهنة ورسالتها.

وقد تأيد هذا النهج قضائياً في القضية الإدارية العليا رقم 143/2023، حيث لم تجد المحكمة في قرار مجلس النقابة برفض طلب الانتساب، رغم توافر الجنسية العربية والمعاملة بالمثل والإقامة الفعلية، مخالفة صريحة للقانون أو خرقاً لمبدأ المشروعية.

ومنذ ذلك التاريخ استقر التطبيق على ضوابط أكثر تحديداً لقبول غير الأردني من حملة الجنسية العربية، فأصبح من بين الشروط الإضافية أن يكون طالب التسجيل من أبناء الأردنيات وأن يكون مقيماً إقامة فعلية ودائمة في المملكة، إلى جانب باقي الشروط القانونية، وهو النهج الذي تم تطبيقه على عدد محدود من الطلبات، وبلغ عدد من تم قبولهم من أبناء الأردنيات المستوفين لهذه الشروط منذ أيلول 2022 وحتى الآن 22 محامياً متدرباً.

وعليه، فإن تصوير الكتاب على أنه إعلان مفاجئ عن فتح باب الانتساب لكل أبناء الأردنيات دون قيد أو شرط هو قراءة مبتورة للنص وللسياق وللتطبيق العملي.

والأهم من ذلك أن الكتاب لم يصدر باعتباره قراراً فردياً يمنح أشخاصاً بعينهم حق الانتساب، ولم يصدر لتغيير قانون النقابة أو تعديل شروط التسجيل، وإنما جاء في سياق طلب ورد من وزارة التعليم العالي يتعلق بطلبة من أبناء الأردنيات وتصديق شهاداتهم لغايات الانتساب إلى نقابة المحامين، فجاءت الإجابة مراعية لما استقر عليه نهج النقابة في التعامل مع هذه الفئة، دون أن يعني ذلك بأي صورة تجاوز الشروط القانونية أو إلغاء السلطة التقديرية لمجلس النقابة.

أما تحويل المسألة إلى مشروع "تجنيس ناعم"، أو تصويرها على أنها استئثار بالقرار أو تمرير لأجندة خفية، فهو ليس تفسيراً قانونياً للكتاب، وإنما تحميل له بما لا يحتمل.

كما أن من غير المقبول قانوناً أو منطقاً أن يجري اختزال المسألة في أصول نائب النقيب أو خلفيته العائلية، أو أن يتم التعامل مع أبناء الأردنيات باعتبارهم بالضرورة من اصل مُعين دون غيره؛ فأبناء الأردنيات ليسوا جنسية واحدة، ولا أصلاً واحداً، ولا انتماءً واحداً، ولا يجوز قانوناً ولا أخلاقاً "عنصرة" مسألة قانونية يفترض أن تحكمها النصوص والشروط والقرارات القضائية.

ومن المؤسف أن بعض الأشخاص أخذوا هذه الموجة إلى أبعد مما تحتمل، فانتقل النقاش من مناقشة كتاب ومضمونه القانوني إلى التخوين والتشكيك والذم ونشر عبارات عدائية، بما يكشف أن لدى البعض مآرب أخرى لا يعلم حقيقتها إلا أصحابها.

والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المتدخلين من خارج كوكبة نقابة المحامين ومؤسساتها أخذوا على عاتقهم إصدار الأحكام والاتهامات، وكأن المسألة ليست موضوعاً قانونياً قابلاً للنقاش والمراجعة، وإنما مناسبة لتصفية حسابات أو استثارة مشاعر أو استهداف أشخاص.

وهنا ينبغي أن يكون الكلام واضحاً:

الخلاف القانوني مشروع، والنقد مشروع، ومساءلة القرارات مشروعة، والاحتكام إلى القضاء هو الطريق الطبيعي في دولة القانون، أما التخوين والتشهير والذم والإساءة الشخصية ونسبة الوقائع التي لا أساس لها، فليست نقداً ولا معارضة قانونية؛ ومن يتجاوز حدود النقد إلى أفعال يجرّمها القانون، فعليه أن يتحمل مسؤوليتها، وسيكون القضاء الأردني هو الفيصل، لا منصات التواصل الاجتماعي ولا حملات التشويه ولا الأحكام المسبقة.

وفي هذه المسألة تحديداً، لا ينبغي أن يُحاكم الكتاب بالانطباعات، ولا أن يُحاكم نائب النقيب بأصوله، ولا أن تُحاكم النقابة بالشائعات، بل يُقرأ النص، ويُستعرض القانون، ويُراجع التطبيق السابق، وتُفهم قرارات القضاء، ثم يُقال بعد ذلك: هل خالف الكتاب القانون أم لم يخالفه؟

وهذا هو النقاش الذي يستحقه المحامون، وهذه هي اللغة التي تليق بنقابة المحامين.

أما تحويل كتاب كاشف عن نهج قائم إلى "قرار منشئ"، ثم بناء رواية كاملة على هذا التكييف الخاطئ، وصولاً إلى التخوين والتشكيك والاتهام، فهو ليس دفاعاً عن القانون؛ بل إبعاد متعمد للنقاش عن جوهر المسألة القانونية.

والفيصل في النهاية ليس الضجيج، ولا الأصول، ولا الشعارات، ولا الحملات الإلكترونية " الفيصل هو القانون والقضاء الأردني" .