د منير ابوهلاله
كان الأمل كبيراً في أن يشهد القطاع الصحي الأردني نقلة نوعية حقيقية، تقوم على ترسيخ مفهوم الجودة السريرية، وتقييم الخدمات الصحية وفق نتائجها الطبية، ورفع كفاءة الأطباء العامين، وتحسين رحلة المريض منذ ظهور الأعراض وحتى التشخيص والعلاج والمتابعة. إلا أن ما نشهده اليوم يشير إلى أن التركيز ما يزال منصبّاً على زيادة حجم الخدمات، أكثر من الاهتمام بجودتها ونتائجها الفعلية.
للأسف، تُرحَّل الأزمة من مرحلة إلى أخرى، وتُطرح حلول إدارية لا تعالج جذور المشكلة. فزيادة ساعات دوام المراكز الصحية، على سبيل المثال، قد توسّع نطاق الخدمة مؤقتاً، لكنها لا تكفي لمعالجة الاكتظاظ ما لم تسبقها دراسة دقيقة لأسبابه: هل يعود إلى ضعف الرعاية الصحية الأولية؟ أم إلى غياب نظام فاعل للمواعيد والإحالة؟ أم إلى نقص بعض التخصصات؟ أم إلى مراجعة المرضى للمستشفيات بسبب عدم حصولهم على الخدمة المناسبة في الوقت والمكان المناسبين؟
وينطبق الأمر ذاته على شبكة «حكيم» للصحة الإلكترونية. فالتوسع في ربط المؤسسات الصحية إلكترونياً يُعدّ خطوة مهمة، لكن عدد المؤسسات المرتبطة بالشبكة ليس مؤشراً كافياً على النجاح. الأهم هو مدى اكتمال البيانات ودقتها، وقدرة النظام على ربط السجل الصحي للمريض بين مختلف المؤسسات، ثم الاستفادة من هذه البيانات في تحسين القرارات السريرية، وقياس جودة الرعاية، ورصد الأمراض، وتوجيه السياسات الصحية.
وهنا تبرز تساؤلات مشروعة حول الحوكمة والإشراف الطبي: كم طبيباً يعمل بدوام كامل أو جزئي لدى الجهة القائمة على هذه الشبكة؟ وكم لجنة طبية وعلمية تشرف على تطويرها وتقييم مخرجاتها؟ إن هذه الشبكة تمثل كنزاً وطنياً من البيانات، إذا أُديرت واستُثمرت بالطريقة الصحيحة، وقد تكون أحد أهم مفاتيح النهوض بالرعاية الصحية في الأردن.
كما أننا كثيراً ما نتعامل مع نتائج الأمراض بدلاً من مواجهة أسبابها. فعند الحديث عن الفشل الكلوي، ينصبّ الاهتمام غالباً على زيادة أعداد عمليات زراعة الكلى أو توسيع خدمات غسيل الكلى. وهذه خدمات ضرورية بلا شك، لكنها لا تمثل الحل الجذري. فجزء كبير من حالات الفشل الكلوي يرتبط بمضاعفات ارتفاع ضغط الدم والسكري. ولذلك، ينبغي أن يبدأ التدخل الحقيقي بالكشف المبكر، وضبط المرضين، وتحسين التزام المرضى بالعلاج، ومنع المضاعفات قبل وصولهم إلى مرحلة الفشل الكلوي.
ومن ناحية أخرى، لا يبدو أن التخطيط الصحي يأخذ بالقدر الكافي التحول الديموغرافي الذي يشهده المجتمع الأردني. فالزيادة المستمرة في أعداد الأردنيين الذين تجاوزوا الخمسين عاماً ستؤدي، بفعل العمر وحده، إلى ارتفاع أعداد المصابين بالسرطان وأمراض القلب والسكري وغيرها من الأمراض المزمنة. فهل ستقتصر استجابة الحكومة مستقبلاً على تشغيل المزيد من المراكز الصحية على مدار الساعة وبناء مستشفى في كل مدينة وقرية، أم ستتبنى من الآن خطة وطنية استباقية للوقاية من الأمراض المزمنة والحد من مضاعفاتها؟ إن غياب التخطيط المبكر لن يؤدي إلا إلى ترحيل الأزمة إلى الحكومات المقبلة.
ويضاف إلى عامل العمر استمرار عوامل خطورة أخفقت الحكومات المتعاقبة في التعامل معها بفاعلية، وفي مقدمتها التدخين، وقلة النشاط البدني، وأنماط التغذية غير الصحية، إلى جانب المخاطر المهنية والسلوكية والبيئية.
وهنا لا بد من طرح أسئلة جوهرية: هل نعرف عدد الحالات التي تنتقل سنوياً من مرحلة ما قبل السكري إلى الإصابة بالسكري؟ وكم مريضاً لم يحصل على العلاج المناسب في الوقت المناسب؟ وكم حالة من السرطانات الوراثية لم تُشخَّص إلا في مراحل متقدمة؟ وكم مريضاً بالسرطان أو التليّف الرئوي فقد حياته نتيجة التأخر في التشخيص؟ إن غياب الإجابات الدقيقة عن هذه الأسئلة يكشف حجم الفجوة بين تقديم الخدمة وقياس نتائجها الصحية الفعلية.
أما في مجال جودة الرعاية الصحية، فقد بدأنا أحياناً من مراحل متقدمة، وانشغلنا بالحصول على الاعتمادات والشهادات، من دون مراجعة رحلة المريض كاملة. والجودة الحقيقية لا تُقاس بالشهادات وحدها، وإنما بمدى سرعة الوصول إلى التشخيص، ودقة العلاج، واستمرارية المتابعة، وانخفاض المضاعفات والوفيات، وتحسّن تجربة المريض ونتائجه الصحية.
وتبرز هنا قضية العدوى المكتسبة داخل المستشفيات، ولا سيما في أقسام العناية الحثيثة. فكم عدد الوفيات والمضاعفات الناجمة عنها؟ وهل تُرصد هذه الحالات وتُقاس وتُنشر نتائجها؟ ومن يتحمل مسؤوليتها؟ ولماذا يتحمل المريض كلفة علاج مشكلة ربما حدثت بسبب قصور في ممارسات الوقاية من العدوى وضبطها؟ إن حماية المريض تقتضي وجود مؤشرات وطنية واضحة، ونظام إلزامي للرصد والإبلاغ والمساءلة، وتطبيق معايير موحدة على جميع القطاعات الصحية.
يحتاج الأردن إلى مركز وطني مستقل وفاعل للوقاية من الأمراض ومكافحتها، يشمل الأمراض السارية وغير السارية، ويتمتع بمرجعية علمية وصلاحيات رقابية تمتد إلى مختلف القطاعات الصحية. وينبغي أن تشمل مهامه تحليل البيانات الوطنية، ورصد الأوبئة والتهديدات الصحية، حل مشاكل التاخير في الشخص والانتقال الى برامج شاملة ف الكشف المبكر وحسب دراسات طبية وجدوى اقتصادية لكل برنامج، ووضع مؤشرات الأداء والجودة، وتقييم التدخلات الوقائية، ومتابعة التزام المؤسسات الصحية بمعايير السلامة، وتقديم توصيات مبنية على الأدلة إلى صنّاع القرار.
إن تأجيل الأزمات وترحيلها من حكومة إلى أخرى، وزيادة أعداد الخدمات والمراجعين والإجراءات من دون قياس جودتها ونتائجها، لن يصنعا إصلاحاً صحياً حقيقياً. فما يحتاجه الأردن اليوم ليس مزيداً من الكم فحسب، بل تحوّلاً واضحاً نحو النوع: الوقاية قبل العلاج، والنتائج قبل الأرقام، وجودة الخدمة قبل اتساعها، والمساءلة قبل الاكتفاء بالإجراءات الإدارية.
