تشهد الضفة الغربية المحتلة ارتفاعا مقلقا في وتيرة اعتداءات المستوطنين التي باتت تسجل مستويات غير مسبوقة منذ بداية العام الجاري، حيث أظهرت تقارير أممية توثيق اكثر من الف وخمسمائة هجوم استهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم. وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع ممارسات تصعيدية داخل السجون الإسرائيلية، كان أبرزها اقتحام وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير لقسم الأسيرات في سجن الدامون في خطوة اعتبرتها المؤسسات الحقوقية انتهاكا صارخا للكرامة الإنسانية.
وكشفت بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن معدل الإصابات المرتبطة بهجمات المستوطنين قفز بشكل حاد ليصل إلى أكثر من ثلاث إصابات يوميا، بعد أن كان لا يتجاوز إصابة واحدة كل ثلاثة أيام في فترات سابقة. وأوضحت المعطيات أن هذه الاعتداءات لم تعد تقتصر على الأفراد، بل امتدت لتشمل تدمير المحاصيل الزراعية وتقييد وصول السكان إلى منازلهم ومصادر المياه والكهرباء، مما فاقم الاحتياجات الإنسانية في مختلف القرى والبلدات الفلسطينية.
وأضافت التقارير الأممية أن الفترة الأخيرة شهدت إصابة أكثر من مئة فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، في سياق هجمات ممنهجة تسببت في تهجير عائلات بأكملها من أراضيها، مشيرة إلى أن السلطات الإسرائيلية تتحمل المسؤولية الرئيسية عن هذا العنف المتزايد الذي يتم تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال، وهو ما يثير انتقادات دولية واسعة ومطالبات بالتدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات.
تخبط اليمين الإسرائيلي مع اقتراب موعد الانتخابات
وبينما يشتد التوتر في الميدان، يواجه معسكر اليمين الإسرائيلي أزمة داخلية حادة مع اقتراب انتخابات الكنيست، حيث يخشى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من ضياع أصوات حلفائه بسبب التنافس الحاد بين قوى اليمين. واكد نتنياهو في دعوات متكررة لوزيريه بن غفير وسموتريتش ضرورة خوض الانتخابات في قائمة موحدة، محذرا من أن الانقسام قد يؤدي إلى سقوط أحزاب يمينية دون نسبة الحسم، مما يهدد فرص تشكيل الحكومة المقبلة.
واضاف بن غفير في ردود فعل غاضبة على ضغوط نتنياهو أنه يرفض الاندماج، متهما رئيس الوزراء بمحاولة إضعاف حزبه لفتح قنوات تعاون مع تيارات سياسية أخرى. وشدد سموتريتش من جانبه على أهمية الوحدة في هذا الوقت الحرج، في ظل تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي ودخول منافسين جدد على خط السباق الانتخابي، مما يجعل مستقبل التحالفات اليمينية على المحك.
وخلصت التحليلات السياسية إلى أن الخلافات داخل اليمين لا تتعلق فقط بتوزيع المقاعد، بل تعكس صراعا على الهوية السياسية والقيادة داخل المعسكر الديني والقومي، في وقت يعاني فيه نتنياهو من ضغوط أمريكية ودولية متزايدة لإدانة عنف المستوطنين والسيطرة على الأوضاع الأمنية المتردية في الضفة الغربية.
اعتداءات قصرة وجالود تثير غضبا واسعا
وبينت الأحداث الأخيرة في بلدات محافظة نابلس، وتحديدا في قصرة وجالود، حجم الانفلات الذي يمارسه المستوطنون، حيث تعرضت عائلات فلسطينية لحصار داخل منازلها واعتداءات جسدية طالت حتى طواقم صحفية أجنبية كانت تغطي الأحداث. وأكد أصحاب المنازل أنهم تعرضوا للضرب والتقييد من قبل مجموعات مسلحة من المستوطنين، وسط انتشار مكثف لقوات الجيش التي لم تتدخل لمنع الهجمات في العديد من الحالات.
واشار نادي الأسير الفلسطيني إلى أن اقتحامات بن غفير المتكررة للسجون وتفاخره بتشديد ظروف الاعتقال تعكس النهج المتطرف للحكومة الحالية، موضحا أن هذه الممارسات تزيد من حدة الاحتقان الشعبي وتؤكد أن سياسة التضييق هي جزء من استراتيجية أوسع تستهدف النسيج الاجتماعي والوطني للفلسطينيين.
واظهرت التطورات الميدانية والسياسية أن نتنياهو عالق بين رغبته في إرضاء حلفائه المتطرفين وبين الضغوط الدولية التي تطالبه بضبط الأوضاع، مما يجعل المشهد الإسرائيلي الداخلي والواقع في الضفة الغربية على صفيح ساخن، مع استمرار ارتفاع أرقام الضحايا وتزايد الانتهاكات الحقوقية التي توثقها المؤسسات الدولية بشكل يومي.
