كشفت تحركات الجيش الاسرائيلي الاخيرة في شمال الضفة الغربية عن نمط عسكري مغاير لما كان متبعا سابقا، حيث لم تعد العمليات في مدينة جنين ومحيطها مجرد توغلات مؤقتة للسيطرة او المداهمة. واظهرت صور الاقمار الصناعية وبيانات الرصد الميداني ان هناك مساعي لاعادة تشكيل المجال الجغرافي بما يخدم وجودا عسكريا طويل الامد، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل السيطرة الامنية في مناطق يفترض انها خاضعة للادارة الفلسطينية.

واكدت تحليلات استقصائية ان عمليات التجريف وشق الطرق العسكرية وتهيئة المساحات داخل جنين ليست مجرد اجراءات طارئة. واضافت المعطيات ان هناك مؤشرات قوية على اعادة تفعيل مواقع عسكرية قديمة في مناطق استراتيجية مثل الجابريات وحداد وصانور. وبينت هذه التطورات ان الاحتلال يعمل على خلق واقع مادي جديد على الارض يتجاوز الاطر الزمنية للعمليات العسكرية التقليدية.

واوضحت المقارنات البصرية ان طبيعة النشاط العسكري انتقلت من مرحلة التواجد العابر الى مرحلة التثبيت الميداني. وشددت التقارير على ان هذه التحركات تتقاطع مع اوامر استيلاء على الاراضي صدرت في الاشهر الاخيرة، مما يشير الى خطة مدروسة لتعزيز الحضور العسكري الدائم في قلب الضفة الغربية.

خريطة الوجود العسكري الميداني

وبدأ مسار الرصد من خلال تحليل قاعدة بيانات واسعة شملت عشرات المواقع العسكرية الموزعة في الضفة الغربية. واضاف الفريق البحثي انه تمت مطابقة هذه المواقع مع صور الاقمار الصناعية الحديثة للتحقق من التغييرات الانشائية. واكدت النتائج وجود 42 موقعا عسكريا مؤكدا، مع ملاحظة تحول نوعي في استراتيجية التموضع داخل مناطق كانت في السابق خارج نطاق هذه الانشطة.

واوضحت البيانات ان معظم هذه القواعد كانت تتركز في المنطقة ج وفق اتفاقيات اوسلو. واضافت التحليلات ان التطورات الاخيرة في شمال الضفة كسرت هذه القاعدة الجغرافية. وبينت ان التوسع العسكري بات يستهدف مواقع حساسة داخل المنطقتين أ و ب، مما يعكس تغيرا جذريا في قواعد الاشتباك والسيطرة على الارض.

واكد المراقبون ان استمرار عملية السور الحديدي وفر الغطاء اللازم لهذه التغييرات الانشائية. واضافوا ان تصريحات مسؤولين في حكومة الاحتلال حول البقاء في مخيم جنين لفترات مفتوحة تعزز فرضية التحول نحو الوجود الدائم. وبينت الوقائع ان اعمال الهدم والتجريف تهدف الى تهيئة البنية التحتية اللازمة لاستدامة هذه المواقع.

تغييرات جيوسياسية في جنين

وتعد منطقة الجابريات في جنين نموذجا حيا لهذا التغير. واضاف التحقيق ان السلطات الاسرائيلية استولت على مساحات شاسعة بذريعة الضرورات العسكرية. واكدت الصور ان هذه المواقع تتمتع باهمية استراتيجية نظرا لاشرافها المباشر على مخيم جنين، مما يجعلها نقاط مراقبة وتحكم دائمة.

وتابعت الاعمال الميدانية رصدها لقرية حداد السياحية التي شهدت بدورها تحركات مريبة. واضافت المصادر ان نقل معدات ثقيلة وبيوت متنقلة يشير الى انشاء قاعدة عسكرية جديدة. وبينت المقارنة بين صور السنوات السابقة والوضع الحالي وجود عمليات تجريف واسعة النطاق في محيط المنطقة.

واكدت التحركات في صانور ان الامر لا يقتصر على جنين المدينة وحدها. واضافت ان شق طريق عسكري بطول يتجاوز الكيلومتر الواحد يربط بين نقاط استراتيجية يهدف الى تسهيل حركة القوات وتأمين اتصالاتها. وبينت الصور الملتقطة مؤخرا ان الموقع تحول الى نقطة عسكرية محصنة وفق المعايير التي يتبعها الجيش في مواقعه الدائمة.