بقلم: م. نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع


تطرح التصريحات الأخيرة الصادرة عن مجلس الأعمال الأردني السعودي المشترك فكرة تستحق أن تُقرأ بأبعادها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وليس باعتبارها مجرد مبادرة جديدة لتنشيط التجارة والاستثمار بين بلدين شقيقين.
الفكرة المطروحة هي العمل على جعل الأردن محطة ومنطلقاً لمشروعات إعادة الإعمار في الإقليم، من خلال شراكات بين الشركات الأردنية والسعودية، والاستفادة من موقع الأردن الجغرافي ومن القدرات الصناعية والإدارية والهندسية واللوجستية المتوافرة لدى البلدين.
وفي تقديري، فإن أهمية هذه المبادرة تتجاوز بكثير فرص الحصول على عقود مقاولات في سوريا أو العراق. نحن أمام إمكانية لبناء نموذج جديد من التكامل الاقتصادي الأردني السعودي يستطيع، إذا أُحسن تنظيمه، أن يحول القدرات الموجودة في البلدين إلى قوة اقتصادية عربية مشتركة قادرة على الدخول إلى أسواق المنطقة والتأثير في مستقبلها.
فالشرق الأوسط يمر اليوم بمرحلة إعادة تشكيل سياسي واقتصادي واسعة. وبعد سنوات طويلة انشغلت فيها المنطقة بالحروب والأزمات والصراعات الجيوسياسية، سيزداد تدريجياً وزن السؤال الاقتصادي: من سيعيد بناء ما دمرته الحروب؟ من سيعيد تشغيل الاقتصاد؟ ومن سيبني الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات والمساكن والمناطق الصناعية؟
والسؤال الأهم: هل سيكون للعرب أنفسهم دور رئيسي في إعادة بناء محيطهم العربي، أم يتركون هذا المجال لقوى دولية وإقليمية أخرى؟
من هذه الزاوية تصبح المبادرة الأردنية السعودية ذات معنى استراتيجي يتجاوز حدود قطاع الأعمال.
الأردن ليس ممراً جغرافياً فقط
يمتلك الأردن موقعاً يصعب تجاهله في أي تصور اقتصادي لمستقبل المشرق العربي.
فهو يرتبط جغرافياً بالسعودية وسوريا والعراق وفلسطين، ويمتلك منفذاً بحرياً من خلال العقبة، إضافة إلى شبكة من الطرق والمعابر والخدمات اللوجستية والاتصالات.
ولهذا يصح وصف الأردن بأنه بوابة طبيعية للسعودية باتجاه العراق وسوريا.
لكنني أعتقد أن علينا الحذر من اختزال الدور الأردني في مفهوم البوابة أو الممر.
فالدول لا تحقق القيمة الاقتصادية الكبرى من مرور البضائع عبر أراضيها فقط، بل من الأنشطة الاقتصادية التي تستطيع بناءها حول ذلك المرور.
إذا كانت المعدات والحديد والإسمنت والمواد الإنشائية تمر عبر الأردن إلى سوريا والعراق، فإن المملكة تستفيد من النقل والتخزين وبعض الخدمات اللوجستية.
أما إذا كانت الهندسة وإدارة المشاريع والتصنيع المسبق والتجميع والمشتريات والتخزين والفحص والتدريب والخدمات المصرفية وإدارة العقود تتم داخل الأردن، فإن المملكة تصبح جزءاً فعلياً من سلسلة القيمة.
وهنا يتحول الأردن من ممر لإعادة الإعمار إلى منصة لإعادة الإعمار.
قوة صناعية وإدارية في معادلة إعادة الإعمار
أما السعودية، فيجب كذلك ألا يُختزل دورها في عنصر واحد.
فالمملكة طورت خلال السنوات الأخيرة قدرات متقدمة في إدارة المشاريع الكبرى، والتخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، وإدارة العقود، والمشتريات، وسلاسل الإمداد، والتحول الرقمي، وإدارة المخاطر.
والمشروعات الكبرى الجاري تنفيذها في السعودية أسهمت في تكوين منظومة واسعة من المطورين والمقاولين والاستشاريين ومديري المشاريع والمصنعين والموردين، وأوجدت خبرات عملية في التعامل مع مشاريع كبيرة ومعقدة ومتعددة الأطراف.
كما تمتلك السعودية قاعدة واسعة من الصناعات الثقيلة والاستراتيجية، من أهمها الحديد والصلب، والإسمنت، والبتروكيماويات، والزجاج، والكابلات، والمعدات الكهربائية، والمنتجات المعدنية، ومكونات الطاقة والبنية التحتية، إلى جانب صناعات إنشائية متقدمة.
وهذه القدرات ستكون بالغة الأهمية في مشاريع إعادة الإعمار.
فإعادة بناء المدن والبنية التحتية لا تحتاج فقط إلى مقاول يستطيع تنفيذ المشروع، وإنما تحتاج إلى قدرة صناعية تستطيع توفير كميات ضخمة من المواد والمعدات، وإلى منظومة إدارية قادرة على ضبط التكلفة والوقت والجودة والمخاطر وسلسلة التوريد.
ومن هنا فإن ما تستطيع السعودية تقديمه لهذه الشراكة يتمثل في الحجم الصناعي، والإدارة المتقدمة، والخبرة التنفيذية، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد، والقدرة على تطوير وإدارة المشروعات الكبرى.
وهذه عناصر لا تقل أهمية عن أي عنصر آخر في معادلة إعادة الإعمار.
ماذا يضيف الأردن؟
في المقابل، يمتلك الأردن عناصر قوة مختلفة ولكنها مكملة تماماً للقدرات السعودية.
إضافة إلى الموقع الجغرافي، يمتلك الأردن قاعدة مهنية من المهندسين ومديري المشاريع والمقاولين والفنيين والاستشاريين الذين اكتسبوا خبرة طويلة في الأردن ودول الخليج والعراق وأسواق أخرى.
كما يمتلك القطاع الخاص الأردني مرونة عالية نسبياً في العمل في بيئات مختلفة، إضافة إلى معرفة جيدة بطبيعة الأسواق المجاورة وبالظروف الاجتماعية والتشغيلية في المشرق العربي.
وهذا مهم في مشاريع إعادة الإعمار، لأن النجاح فيها لا يعتمد فقط على الحجم؛ بل يعتمد أيضاً على القدرة على التعامل مع ظروف متغيرة، واحتياجات محلية معقدة، ومراحل تنفيذ قد تختلف كثيراً عن المشاريع التقليدية.
ولذلك فإن العلاقة المثالية ليست علاقة شركة سعودية تستخدم شركة أردنية كمقاول فرعي، ولا علاقة شركة أردنية تنتظر استثماراً سعودياً.
العلاقة المطلوبة هي شراكة حقيقية بين القدرات.
القطاع المصرفي الأردني جزء من القوة الأردنية
وعند الحديث عن القدرات الأردنية، يجب أيضاً ألا نغفل القطاع المصرفي.
فالأردن يمتلك جهازاً مصرفياً مستقراً نسبياً، لديه خبرة في تمويل الشركات والتجارة، وإصدار الاعتمادات والكفالات، وتمويل الاستيراد والتصدير، والتعامل مع المؤسسات المالية العربية والدولية.
وتظهر مؤشرات البنك المركزي الأردني أن الجهاز المصرفي يتمتع بمستويات مريحة من السيولة وكفاية رأس المال والربحية. كما بلغت الاحتياطيات الأجنبية الإجمالية للبنك المركزي نحو 26.6 مليار دولار في يوليو/تموز 2026، وهو مستوى مهم في دعم الاستقرار والثقة النقدية. (Central Bank of Jordan)
وهنا يجب التمييز بين أمرين.
احتياطيات البنك المركزي ليست صندوقاً مباشراً لتمويل المشروعات، ولا ينبغي التعامل معها بهذه الطريقة، لأن وظيفتها الأساسية ترتبط بحماية الاستقرار النقدي ودعم الثقة بالدينار والقدرة على مواجهة الالتزامات الخارجية.
ولكن، في المقابل، لا ينبغي أن ننظر إلى ارتفاع الاحتياطيات باعتباره رقماً اقتصادياً نحتفل به فقط.
فوجود مركز نقدي قوي، وقطاع مصرفي يتمتع بسيولة ورأسمال مناسبين، يجب أن يتحول إلى رافعة لدعم النشاط الاقتصادي المنتج.
التحدي أمام الأردن هو كيفية الاستفادة من هذه القوة المصرفية والنقدية لتشجيع البنوك على المشاركة بصورة أكبر في تمويل المشاريع الإنتاجية والتصديرية والإقليمية، وإصدار الضمانات، وتمويل رأس المال العامل، والمشاركة في ترتيبات التمويل المشترك للمشروعات الكبرى.
وقد أشار البنك المركزي نفسه إلى استمرار القطاع المصرفي الأردني في التمتع بمستويات مريحة من السيولة والربحية وكفاية رأس المال، وهو ما يوفر أساساً يمكن البناء عليه. (Central Bank of Jordan)
وهنا يمكن أيضاً تطوير تعاون بين البنوك الأردنية والسعودية يسمح بتقاسم المخاطر وتمويل التحالفات المشتركة بطريقة أكثر تنظيماً.
وبذلك تصبح المصارف الأردنية جزءاً من القدرة التنافسية الأردنية في إعادة الإعمار، وليست مجرد مؤسسات تعمل داخل الاقتصاد المحلي.
إعادة الإعمار قضية اقتصادية وسياسية
من المهم أيضاً ألا نفصل الاقتصاد عن السياسة في هذه المسألة.
الدولة أو المجموعة الاقتصادية التي تشارك في بناء طرق بلد ما، وشبكات طاقته ومياهه، ومناطقه الصناعية ومستشفياته ومدارسه ومساكنه، لا تدخل ذلك البلد كمقاول فقط.
هي تبني علاقات طويلة الأمد مع اقتصاده ومؤسساته وشركاته ومجتمعه.
ومن هنا فإن إعادة الإعمار هي أيضاً عملية لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية داخل المنطقة.
وخلال السنوات الماضية، شهد المشرق العربي حضوراً اقتصادياً متزايداً لقوى إقليمية ودولية مختلفة، لكل منها مصالحه وأدواته ورؤيته السياسية.
ولذلك فإن وجود تحالفات اقتصادية عربية قوية في مشاريع إعادة إعمار سوريا والعراق ليس مجرد فرصة لتحقيق الأرباح، بل يمكن أن يكون جزءاً من إعادة بناء الحضور الاقتصادي العربي في المشرق.
فالنفوذ السياسي الذي لا يستند إلى مصالح اقتصادية وشبكات تجارة وصناعة واستثمار يصعب الحفاظ عليه على المدى الطويل.
فرصة لبناء سياسة صناعية أردنية جديدة
يمكن للمبادرة أيضاً أن تخدم هدفاً أردنياً آخر بالغ الأهمية، وهو تطوير الصناعة.
من الخطأ أن ننظر إلى إعادة الإعمار على أنها فرصة مؤقتة لتصدير الإسمنت والحديد وبعض مواد البناء.
المطلوب أن نسأل: ما الصناعات التي يمكن أن نطورها داخل الأردن لخدمة هذه السوق خلال السنوات العشر أو العشرين المقبلة؟
هناك فرص واضحة في الصناعات الإنشائية، والهياكل المعدنية، والمباني مسبقة الصنع، وأنظمة البناء بالهياكل الفولاذية الخفيفة، والمباني المعيارية، ومكونات الأنظمة الكهربائية والميكانيكية، والأبواب والنوافذ، ومواد العزل والتشطيبات، والمعدات المختلفة.
وتكتسب أنظمة البناء الصناعي أهمية خاصة في إعادة الإعمار، لأن الأسواق التي تحتاج إلى بناء أعداد كبيرة من المدارس والمساكن والمراكز الصحية والمخازن والمنشآت الخدمية ستحتاج إلى السرعة والتكرار وضبط الجودة.
التصنيع خارج الموقع والمباني المعيارية والمسبقة الصنع تستطيع أن تختصر الوقت وتخفض الهدر وتقلل الأعمال داخل مواقع البناء.
ويمكن للصناعات السعودية الثقيلة أن تتكامل مع قدرات التصنيع والتجميع والهندسة الأردنية لإنشاء سلسلة إنتاج إقليمية تخدم الأردن وسوريا والعراق وأسواقاً أخرى.
هذا النوع من التكامل هو الذي يمكن أن يجعل إعادة الإعمار أداة لتطوير الصناعة الأردنية نفسها بدلاً من أن تكون مجرد فرصة مقاولات مؤقتة.
من التجارة إلى الإنتاج المشترك
كانت التجارة والاستثمارات المتبادلة دائماً عنصراً مهماً في العلاقة الأردنية السعودية.
لكن المرحلة المقبلة يجب أن تستهدف مستوى أعمق من العلاقات الاقتصادية.
الهدف يجب أن يكون الانتقال من التجارة بين اقتصادين إلى الإنتاج المشترك بينهما.
يمكن تصنيع بعض المنتجات والمكونات في السعودية، وإجراء عمليات أخرى من التصنيع أو التجميع أو التصميم في الأردن، ثم توجيه المنتج النهائي إلى الأسواق الإقليمية.
كما يمكن تأسيس شركات وتحالفات تجمع الصناعات السعودية مع شركات الهندسة والمقاولات والخدمات الأردنية.
وعندما يبدأ الطرفان في العمل ضمن سلسلة إنتاج واحدة، تتحول العلاقة الاقتصادية من تبادل تجاري إلى اعتماد اقتصادي متبادل قائم على المصالح المشتركة.
وهذا النوع من العلاقات أكثر استدامة وأقوى سياسياً واقتصادياً.
من الاستثمار المنفرد إلى التحالفات
ومن أكثر ما لفت انتباهي في تصريحات مجلس الأعمال الحديث عن الانتقال من الاستثمار المنفرد إلى تأسيس استثمارات وشركات مشتركة داخل البلدين وخارجهما.
هذا هو الاتجاه الصحيح.
فكثير من المشاريع الإقليمية المستقبلية ستكون أكبر من قدرة شركة واحدة على التعامل معها بصورة منفردة.
قد يحتاج المشروع إلى شركة صناعية، ومقاول، واستشاري، ومدير مشروع، وشركة لوجستية، وبنك، وشركة تأمين، وموردين متخصصين.
ولذلك يجب التفكير مبكراً في إنشاء تحالفات سعودية–أردنية قادرة على تقديم حل متكامل.
الأهم هو ألا تتحول هذه التحالفات إلى مذكرات تفاهم وشركات ورقية، بل يجب أن تبنى حول فرص ومشاريع محددة.
المطلوب خارطة مشاريع وليس خارطة نوايا
وهنا نصل إلى التحدي الأساسي.
لقد شهدت المنطقة عبر عقود طويلة عشرات مجالس الأعمال والمنتديات والمؤتمرات ومذكرات التفاهم.
بعضها حقق نتائج مهمة، لكن الكثير منها بقي في إطار التصريحات.
لذلك فإن المبادرة الحالية يجب أن تنتقل بأسرع وقت ممكن إلى محفظة واضحة للمشروعات المستهدفة واضح.
نحتاج إلى تحديد المشاريع والقطاعات المستهدفة في سوريا والعراق: الطرق، المياه، الطاقة، الإسكان، المستشفيات، التعليم، المناطق الصناعية، الاتصالات، الخدمات اللوجستية وغيرها.
لكل مشروع يجب أن نعرف من هي الجهة المالكة، وما حجم المشروع، وما مرحلة تطوره، وما النموذج التعاقدي المتوقع، وما المخاطر السياسية والتجارية والفنية.
عندها يمكن تشكيل التحالف السعودي الأردني المناسب له.
هذا هو الفارق بين انتظار المناقصة ثم محاولة جمع الشركات، وبين بناء قدرة استراتيجية تستعد للمشروع قبل ظهوره في السوق.
المطلوب من الحكومة الأردنية
لا ينبغي أن يبقى هذا المشروع محصوراً في مجلس الأعمال، رغم أهمية دوره.
إذا اقتنعت الدولة الأردنية بأن هذه فرصة استراتيجية، فيجب أن تتحول إلى برنامج اقتصادي وطني.
يمكن للحكومة بالتعاون مع القطاع الخاص إعداد استراتيجية تحدد الصناعات والقطاعات التي يستطيع الأردن المنافسة فيها، والمناطق الصناعية واللوجستية التي يمكن تطويرها، والحوافز المطلوبة، والعقبات الجمركية والتنظيمية التي يجب إزالتها.
كما يجب إشراك غرف الصناعة والتجارة والبنوك ونقابتي المهندسين والمقاولين والجامعات ومؤسسات التدريب.
فالهدف لا ينبغي أن يكون تمكين عدة شركات كبيرة فقط.
ينبغي أن تدخل عشرات الشركات الأردنية الصغيرة والمتوسطة ضمن سلاسل توريد هذه المشاريع.
عندها تنتشر الفائدة الاقتصادية وتتحول المبادرة إلى فرص عمل وتصدير وتصنيع ونمو داخل الاقتصاد الأردني.
كيف نقيس النجاح؟
من الضروري منذ البداية وضع مؤشرات أداء واضحة.
كم شركة وتحالفاً أردنياً سعودياً تم تأسيسه؟
كم مشروعاً تمت دراسته؟
كم عقداً تم الحصول عليه؟
ما قيمة الصادرات الناتجة عن المبادرة؟
ما حجم التصنيع الذي تم داخل الأردن والسعودية؟
كم فرصة عمل تم خلقها؟
وكم تبلغ نسبة القيمة المضافة المحلية في المشروعات؟
هذه هي الأرقام التي يجب أن نراجعها بعد سنة أو سنتين.
فالنجاح الاقتصادي لا يقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم البيانات الصحفية، بل بما يتحول منها إلى مصانع وعقود وصادرات وفرص عمل.
سوريا والعراق بداية وليسا نهاية
من الطبيعي أن تركز المبادرة في بدايتها على سوريا والعراق.
الجغرافيا وحجم الاحتياجات يجعلان البلدين السوق الطبيعية الأولى لهذا النوع من الشراكات.
لكن إذا نجح النموذج، فلا يوجد سبب لحصره فيهما.
يمكن للتحالفات الأردنية السعودية أن تدخل لاحقاً إلى أسواق أخرى في المنطقة وأفريقيا وآسيا، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والإسكان والطاقة والمياه والمباني الصناعية والمشاريع سريعة التنفيذ.
عندها نكون قد انتقلنا من استغلال فرصة إعادة الإعمار إلى إنشاء شركات عربية إقليمية قادرة على التوسع خارج أسواقها المحلية.
البعد السياسي الأوسع
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية.
العلاقات السياسية القوية بين الدول تحتاج دائماً إلى قاعدة من المصالح الاقتصادية المشتركة.
وكلما زادت المشاريع والشركات والمصانع وسلاسل التوريد والاستثمارات المشتركة بين الأردن والسعودية، أصبحت العلاقة بينهما أكثر عمقاً واستقراراً.
كما أن دخول البلدين معاً إلى أسواق ثالثة يضيف بعداً جديداً للعلاقة.
فبدلاً من أن يكون السؤال: ماذا تستثمر السعودية في الأردن، أو ماذا يصدر الأردن إلى السعودية، يصبح السؤال: ماذا يستطيع الأردن والسعودية أن يفعلا معاً في المنطقة؟
وهذا تحول مهم في فلسفة العلاقات الاقتصادية العربية.
نحن بحاجة إلى الانتقال من العلاقات الثنائية التقليدية إلى بناء قدرات عربية مشتركة تنافس إقليمياً ودولياً.
الخلاصة
ما يطرحه مجلس الأعمال الأردني السعودي يمكن أن يكون بداية لمرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين إذا تم التعامل معه كمشروع استراتيجي، وليس فقط كمبادرة لتعزيز التجارة والاستثمار.
القدرات الصناعية والإدارية والتنفيذية السعودية، مع الموقع والخبرة الهندسية والتشغيلية الأردنية، يمكن أن تشكل منصة إقليمية قوية لمشاريع إعادة الإعمار.
وإذا أضفنا إلى ذلك قوة القطاع المصرفي الأردني، والقاعدة الصناعية والخدمية في البلدين، فإن عناصر بناء منظومة اقتصادية متكاملة تصبح متاحة.
المطلوب هو أن نضع هذه العناصر معاً ضمن استراتيجية واحدة.
الأردن يجب ألا يكون مجرد طريق إلى سوريا والعراق، بل مركزاً للهندسة والصناعة والخدمات واللوجستيات وإدارة المشاريع.
والسعودية ليست مجرد شريك استثماري، بل قوة صناعية وإدارية وتنفيذية اكتسبت خلال السنوات الماضية خبرات كبيرة في تطوير وإدارة المشاريع الكبرى.
أما البنوك والمؤسسات المالية في البلدين، فيمكن أن تؤدي دورها الطبيعي في دعم هذه المنظومة وتمكين الشركات من التحرك إقليمياً.
إذا نجحنا في ذلك، فإننا لا نكون أمام برنامج لإعادة الإعمار فقط، وإنما أمام نموذج جديد للتكامل الاقتصادي العربي يقوم على الصناعة والإدارة والهندسة والتجارة والإنتاج المشترك.
وفي منطقة يعاد فيها تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية، قد يكون بناء مثل هذه القوة الاقتصادية المشتركة من أهم أدوات حماية المصالح العربية وتعزيز حضورها.
فالنفوذ في المرحلة المقبلة لن يحدده فقط من يتحدث في السياسة، بل أيضاً من يصنع، ومن يدير، ومن يبني، ومن يربط اقتصادات المنطقة بعضها ببعض.