بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
ليست كل العبارات عابرة، ولا كل التصريحات تُقاس بنيّة قائلها فقط؛ فبعض الكلمات، حين تصدر عن مؤسسة رسمية، تترك أثراً يتجاوز مضمونها المباشر، لأنها تمس علاقة المواطن بالدولة، وتحدد طبيعة الخطاب الذي ينبغي أن يسود بين الطرفين.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن دخول البيوت، والجلوس على الكراسي، وفرض الغرامات، لا يجوز أن يُطرح بلغة توحي بالتهديد أو الاستعلاء، مهما كانت الغاية الإدارية أو الإحصائية مشروعة.
نحن مع الدولة، ومع مؤسساتها، ومع إنجاح التعداد العام للسكان، ومع كل جهد وطني يهدف إلى توفير بيانات دقيقة تساعد صانع القرار على رسم السياسات العامة واتخاذ القرارات السليمة.
لكننا، في الوقت ذاته، نؤكد أن هيبة الدولة لا تُبنى بإخافة المواطن، وأن احترام القانون لا يعني تحويل المواطن إلى طرف متهم أو إلى «حيطة واطية» تتلقى الأوامر والتهديدات دون أن يكون لها حق السؤال أو الاعتراض.
المواطن شريك في الدولة، وليس خصماً لها.
وإذا كانت دائرة الإحصاءات العامة تريد دخول البيوت، فأهلاً بها، شريطة أن يكون الدخول من باب الاحترام والثقة، لا من باب التخويف والوعيد.
والسؤال هنا ليس فقط: ماذا تريدون أن تعرفوا عن المواطن؟
بل السؤال الأهم:
ماذا ستفعلون بعد أن تعرفوا؟
ادخلوا البيوت، ولكن لا تكتفوا بعدّ السكان
ادخلوا البيوت، واسألوا عن العاطلين عن العمل.
أحصوا عدد الشباب الذين يحملون الشهادات الجامعية ولا يجدون فرصة، وعدد الذين تجاوزوا الثلاثين والأربعين وهم ما زالوا ينتظرون بداية حياتهم، وعدد الأسر التي يعيلها آباء أنهكهم العمر، لأن أبناءهم لم يجدوا عملاً.
وأحصوا عدد الأسر التي لا تملك مسكناً يؤويها، وعدد الذين يعيشون في ظروف سكنية صعبة، وعدد المدينين، والأهم من ذلك: اسألوا لماذا استدانوا، وكيف يمكن مساعدتهم على الخروج من دوامة الدين.
أحصوا حجم البطالة، ولكن لا تتعاملوا معها بوصفها رقماً محايداً في تقرير رسمي.
وراء كل رقم شاب مؤجل الحياة، وأسرة مثقلة بالقلق، وطاقة وطنية معطلة، وثقة تتراجع يوماً بعد يوم.
الإحصاء المسؤول لا يكتفي بتحديد حجم المشكلة، بل يبحث في أسبابها ويقيس آثارها ويضعها أمام صانع القرار لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجتها.
فما قيمة أن تعرف الدولة عدد العاطلين، ثم تضع الرقم في تقرير وتغلق الملف؟
ادخلوا البيوت، وانظروا إلى الفقر كما هو
اسألوا عن الأسر التي تعيش تحت ضغط الديون، وعن الآباء الذين يعجزون عن تأمين احتياجات أبنائهم، وعن الأمهات اللواتي يدبرن شؤون بيوتهن بأقل الإمكانات.
اسألوا عن الشاب الذي لا يستطيع الزواج، لا لأنه لا يريد، بل لأن البطالة وارتفاع تكاليف الحياة جعلا الزواج مشروعاً مؤجلاً.
واسألوا عن الفتيات والشبان الذين تأخر زواجهم، وابحثوا في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تقف خلف ذلك، بعيداً عن التناول السطحي للأرقام.
اسألوا عن ظاهرة تعاطي المخدرات، لا لمجرد إحصاء عدد المتعاطين، بل لمعرفة لماذا وصل بعض شبابنا إلى هذا الطريق، وما الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تدفعهم إليه، وما الذي يمكن أن تفعله الدولة والمجتمع للعلاج والوقاية وإعادة التأهيل.
واسألوا عن الأسرة التي أصبحت الفاتورة الشهرية بالنسبة إليها معركة متكررة، وعن المواطن الذي يقتطع من غذائه ودوائه وتعليم أبنائه حتى يسدد التزاماته.
الفقر ليس رقماً في جدول، بل واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي ينبغي أن يكون في صدارة أولويات الدولة.
والمواطن الفقير لا يريد شفقة.
يريد فرصة كريمة، وسياسة عادلة، وخدمة تحفظ إنسانيته.
ادخلوا البيوت واسألوا عن الشباب
الشباب هم طاقة الأردن ومستقبله، وهم في الوقت ذاته الأكثر تعرضاً للبطالة والإحباط وانسداد الأفق.
اسألوا أين يقضي الشاب الأردني وقته، وماذا يفعل بعد تخرجه، وما الذي تقدمه له الدولة من تدريب وتأهيل وفرص عمل ومساحات للرياضة والثقافة والإبداع.
اسألوا عن مراكز الشباب، وعن البرامج الوطنية، وعن قدرة المؤسسات على استيعاب طاقات الشباب وتوجيهها.
فالشاب الذي لا يجد فرصة، ولا يرى مستقبلاً واضحاً، ولا يشعر بأن مؤسسات بلده تسمعه، قد يتحول إحباطه إلى غضب، لا لأنه يرفض الدولة، بل لأنه يشعر أن الدولة لا تراه.
الشباب ليسوا عبئاً أمنياً، بل ثروة وطنية تحتاج إلى الاستثمار والرعاية والتمكين.
والأخطر من البطالة أن يشعر الشاب بأنه غير مطلوب، وأن سنوات عمره تمر أمام عينيه دون عمل أو إنتاج أو أمل.
ادخلوا البيوت واسألوا عن الموظف والمتقاعد والعامل: كيف يعيش؟
أحصوا من يعمل بأجر لا يكفيه، ومن يضطر إلى العمل في وظيفتين حتى يتمكن من الوفاء بالتزاماته.
أحصوا المتقاعد الذي لم يعد راتبه يواكب تكاليف الحياة، والعامل الذي يذهب إلى عمله كل صباح وهو يخشى فقدانه، والأسرة التي تنفق معظم دخلها على الكهرباء والمياه والمواصلات والدواء والتعليم.
اسألوا الموظف كيف يستطيع أن يكمل الشهر براتبه.
واسألوا العامل ماذا يفعل عندما يفقد عمله.
واسألوا المتقاعد كيف يواجه ارتفاع الأسعار.
هذه ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات أساسية على مستوى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
الأرقام التي ينبغي أن تقلق المسؤول ليست أرقام المواطنين، بل أرقام البطالة والفقر والديون وتراجع القدرة الشرائية وتآكل الطبقة الوسطى.
المواطن ليس الحلقة الأضعف في معادلة الخدمات
تملك شركات الكهرباء والمياه والاتصالات إجراءاتها عند تراكم المستحقات، وقد تُقطع الخدمة وفقاً للأنظمة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه:
من يحمي المواطن عندما تتعطل الخدمة؟
ومن يعوضه عن الضرر؟
ومن يضمن ألا يتحول حق المؤسسة في تحصيل مستحقاتها إلى وسيلة لإرهاق المواطن أو إذلاله؟
قد يُفصل التيار بسرعة، لكن إعادة الخدمة قد تتأخر ساعات.
وقد تتوقف المياه بسبب مبلغ محدود، ثم تضاف رسوم إعادة التوصيل، وقد يضطر المواطن إلى شراء المياه، فتتحول فاتورة بسيطة إلى عبء مضاعف.
ثم يجد نفسه مضطراً إلى الاتصال والمراجعة والانتظار، وربما البحث عن واسطة لإنجاز معاملة يفترض أن تتم وفق إجراء واضح وسريع.
هل يعقل أن يحتاج المواطن إلى واسطة للحصول على خدمة دفع ثمنها؟
هذه ليست قضية كهرباء أو مياه أو اتصالات فحسب.
إنها قضية عدالة إدارية وكرامة إنسانية وثقة عامة.
لا تجعلوا المواطن طرفاً مطالباً بالواجبات فقط
المواطن مطالب بالدفع والالتزام والمراجعة وتقديم الوثائق والإجابة عن الأسئلة واحترام الأنظمة.
وهذا أمر طبيعي في دولة القانون.
لكن دولة القانون لا تقوم على واجبات المواطن وحدها، بل تقوم أيضاً على مسؤوليات الدولة تجاهه.
فمتى تستمع المؤسسات إلى المواطن؟
ومتى يستطيع أن يقول إنه متعب، أو عاطل عن العمل، أو مثقل بالديون، أو عاجز عن دفع فاتورته، أو قلق على مستقبل أبنائه؟
هذه ليست شكاوى عابرة.
هذه معلومات اجتماعية واقتصادية يجب أن تصل إلى صانع القرار، وأن تتحول إلى سياسات عامة قابلة للقياس والتنفيذ.
إذا أردتم دخول البيوت، فادخلوها من باب الثقة
لا تدخلوا البيوت بعقلية التفتيش، ولا تخاطبوا الناس بلغة التهديد.
ادخلوها بعقلية الاستماع والفهم والمسؤولية.
ادخلوا لتعرفوا أين يعيش الفقر، وأين تتراكم الديون، وأين تضيع فرص الشباب، وأين تعجز الأسر عن مواجهة متطلبات الحياة، وأين يشعر المواطن بأن الدولة بعيدة عنه.
هذه هي وظيفة الإحصاء الحقيقي: أن يقدم للدولة صورة صادقة عن المجتمع، لا أن يتحول إلى أداة ضغط على المواطن.
والبيانات لا تكون ذات قيمة إلا إذا استُخدمت لتحسين الخدمات، وتوجيه الإنفاق، وتطوير السياسات، ومعالجة الاختلالات، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
أما جمع المعلومات دون أثر ملموس في حياة الناس، فيحوّل الإحصاء إلى إجراء شكلي لا يضيف شيئاً إلى ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
لا تختبروا صبر الأردنيين
أيها المسؤولون،
الأردني صبور.
وصبره ليس ضعفاً، وهدوؤه ليس خوفاً، وتحمله لا يعني أنه موافق على كل ما يجري.
لقد تحمل المواطن سنوات من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وواجه البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع الدخول وتزايد الالتزامات، لكنه ظل متمسكاً بالدولة ومؤسساتها، لأن انتماءه للأردن أعمق من أن تهزه الصعوبات.
غير أن الصبر، مهما طال، يحتاج إلى عدالة تحميه، وخطاب يحترمه، وسياسات تمنحه أملاً حقيقياً.
إن تراكم الإحباط، مع البطالة والفقر وارتفاع تكاليف الحياة وتعقيد الإجراءات والشعور بالإهانة، قد يوسع الفجوة بين المواطن والمؤسسة، وهذه فجوة لا تخدم الدولة ولا المجتمع.
ونحن لا ندعو إلى الفوضى، ولا نبرر الخروج على القانون، ولا نريد إلا دولة قوية عادلة، تفرض القانون على الجميع، وتحمي كرامة الجميع.
لكننا نقول بوضوح ومسؤولية:
لا تختبروا صبر الأردنيين.
ولا تنبشوا البركان، فقد يغرقكم.
فالبركان لا ينفجر من كلمة واحدة، بل من تراكم طويل للصمت والضغط والخذلان؛ من شاب ينتظر فرصة لا تأتي، وأسرة تغرق في الدين، ومواطن يراجع مؤسسة فلا يجد جواباً، وموظف يكدّ طوال الشهر ثم يعجز عن تأمين احتياجات بيته. وحين يشعر الناس أن أصواتهم لا تصل، وأن كرامتهم لا تُصان، وأن صبرهم يُفسَّر على أنه ضعف، فإن ما كان تحت الرماد قد يتحول إلى غضب يصعب احتواؤه.
فالدولة والمواطن ليسا خصمين، بل شريكان في عقد وطني واحد؛ على المواطن واجبات، وعلى الدولة واجبات، وأي اختلال في هذا التوازن يضعف الثقة العامة ويضر بمكانة المؤسسات.
وإذا أردتم أن تعرفوا الأردن حقاً، فلا تكتفوا بعدّ البيوت والسيارات والأفراد.
أحصوا عدد الشباب الذين ينتظرون فرصة.
وأحصوا عدد الأسر التي تكافح من أجل البقاء.
وأحصوا عدد المدينين وأسباب ديونهم.
وأحصوا حجم البطالة والفقر.
وأحصوا عدد الأسر التي لا تملك مسكناً آمناً.
وأحصوا ظاهرة المخدرات وأسبابها وسبل علاجها.
وأحصوا أين يقضي شبابنا أوقات فراغهم.
وأحصوا مقدار القلق الذي يسكن البيوت.
وأحصوا المسافة التي تفصل المواطن عن مؤسسات الدولة.
فربما يكون هذا هو الإحصاء الأهم الذي تحتاجه الدولة اليوم.
احترموا المواطن قبل أن تطلبوا معلوماته.
احفظوا كرامته قبل أن تدخلوا بيته.
واسمعوا صوته قبل أن تطلبوا منه الإجابة عن أسئلتكم.
فهيبة الدولة لا تُنتقص باحترام المواطن، بل تزداد.
وقوة المؤسسة لا تظهر في قدرتها على فرض الغرامة، بل في قدرتها على تطبيق القانون بعدالة، وتقديم الخدمة بكفاءة، ومخاطبة الناس بلغة تليق بهم.
المواطن الأردني ليس حيطة واطية، ولا مطيّةً لأحد، ولا طرفاً هامشياً في معادلة الدولة.
المواطن هو أساس الشرعية، وكرامته من كرامة الوطن.
فلا تجعلوا من الإحصاء مناسبةً لإخافة المواطن… اجعلوه فرصةً لسماع صوته قبل أن ينفد صبره
