سعيد الصالحي

قبل أن أعرف أين سأموت، عرفت أين دُفن اسمي.

ليست هذه الجملة استعراضًا ولا محاولة للتشويق، إنما هي قصة حقيقية حدثت معي قبل عقود. ذات يوم كنت أزور قبر جدي، أحمل بيدي علبة دهان وفرشاة، لأجدد اسمه الذي بدأ يختلط بصفرة شاهد القبر. ألقيت التحية على جدي، وقرأت له ما تيسر من القرآن الكريم، ثم أمسكت الفرشاة وبدأت أمشي بلونها الأسود فوق اسمه.

وعندما انتهيت من طلاء الاسم، شعرت برعشة تعتريني. فقد كنت بالكاد انتهيت من طلاء اسمي. لم أعرف، للحظة، إن كان جدي يمكث في هذا القبر، أم أن اسمي هو الذي دُفن فيه بعد عام واحد من ولادتي.

إنها من التجارب الفريدة التي لا تحدث كثيرًا للأحياء: أن يقف المرء أمام قبره في المستقبل. شعرت خلال تلك الزيارة أنني غافلت عتمة القبر وقفزت خارجه لأنعم ببعض أشعة الشمس، وأتحسس اسمي الذي دُفن معي، وربما لم يعد أحد يتذكره.

بعد أن أنهيت طلاء الاسم وعام الميلاد، أمسكت الفرشاة وبدأت أعيد الطلاء فوق مكان الولادة. فقد ولد جدي في اللد، فأخذت أزيد اللون فوق اسمها، كأنني أحاول ألا أتيح للزمن أن يمحوه أو يشطبه. فإن غيّر المحتل طريقة نطقها ورسم حروفها، فلن تستطيع يده أن تصل إلى شاهد قبر جدي.

فشاهد قبر جدي وثيقة محفورة في الحجر، ومنقوشة بأمل العودة.

وأنا، حفيد ذلك الشاهد، عرفت يومها أين دُفن اسمي، لكنني لا أعرف إن كان سيأتي يوم يقف فيه أحد في اللد، فيعيد طلاء اسم عمّان على قبري، أو على قبر أحد أحفادي، في المدينة العائدة.
saidsalhi.com