تشهد اسواق الدين العالمية حالة من الترقب والحذر في ظل تصاعد عوائد السندات في الاقتصادات الكبرى الى مستويات قياسية لم تسجل منذ سنوات طويلة. وتاتي هذه التحركات نتيجة تداخل ضغوط اقتصادية معقدة تتمثل في التضخم المستمر وعجز الموازنات الحكومية وتزايد الحاجة للاقتراض. واكد خبراء ماليون ان هذا التوجه يعيد رسم خريطة تكلفة راس المال عالميا ما يضع المستثمرين امام تحديات صعبة في تقييم المخاطر طويلة الاجل.
واشار طارق فضل الله الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الاوسط في نومورا لادارة الاصول الى ان القفزة في العوائد ليست مجرد رد فعل مؤقت على التوترات الجيوسياسية بل هي انعكاس لتحول هيكلي اعمق. واضاف ان الاسواق بدات تدرك ان العوائد المرتفعة قد تصبح سمة دائمة بسبب تضخم الديون السيادية في كبرى الدول. وبين ان المستثمرين اصبحوا يطالبون بعلاوات مخاطر اعلى مقابل الاحتفاظ بالديون طويلة الاجل بدلا من الاكتفاء بمراقبة قرارات البنوك المركزية فقط.
واوضح ان الولايات المتحدة تقف في قلب هذه العاصفة المالية مع تجاوز الدين الوطني مستويات قياسية تفرض ضغوطا اضافية على تكلفة الاقتراض. وشدد على ان ارتفاع عوائد سندات الخزانة الامريكية يرفع معدل الخصم المستخدم في تقييم كافة الاصول المالية حول العالم. واظهرت البيانات ان هذه التطورات بدات تؤثر بشكل مباشر على جاذبية اسواق الاسهم التي اصبحت تواجه منافسة قوية من السندات كوعاء استثماري اقل مخاطرة.
تحولات جذرية في سياسات الاقتراض العالمية
وكشفت التحليلات الاقتصادية ان اليابان التي كانت لسنوات طويلة مصدرا للتمويل الرخيص بدات تشهد تحولا في سياستها مع صعود عوائد السندات الحكومية. واضاف فضل الله ان نهاية عصر المال الرخيص في اليابان قد تؤدي الى تغيير مسارات تدفقات راس المال العالمية. وبين ان هذا التحول سيقلل من جاذبية استراتيجيات الاقتراض بالين لتمويل الاستثمارات الخارجية وهو ما يعرف بتجارة الفائدة.
واكدت التقارير ان اقتصادات الخليج ليست بمعزل عن هذه الموجة نظرا لارتباط العملات المحلية بالدولار الامريكي. واضاف ان ارتفاع تكلفة التمويل يفرض على الشركات والحكومات في المنطقة تعزيز كفاءة تخصيص راس المال. واوضح ان دول الخليج ورغم هذه الضغوط تظل في موقع قوة بفضل المصدات المالية القوية والايرادات النفطية التي تمنحها مرونة عالية في مواجهة تقلبات الاسواق.
واشار الى ان التوقعات المستقبلية تعتمد بشكل كبير على مسار التضخم والتوترات الدولية التي قد تخفف من حدة الضغوط اذا ما شهدت انفراجة. وبين ان السيناريو الاسوا يتمثل في استمرار العجز المالي المرتفع مما سيجبر الاسواق على التعايش مع واقع العائد الاعلى لمدة اطول. واكد في ختام تحليله ان العالم امام مرحلة جديدة من اعادة تسعير المخاطر ستشكل ملامح الاستثمار خلال الفترة المقبلة.
