شهدت التلال الواقعة جنوب شرق جنين تحولا ميدانيا لافتا خلال اسابيع قليلة، حيث تحولت مساحات من الاراضي التي خضعت لعمليات تجريف وتسوية واسعة الى بؤرة استيطانية جديدة اطلق عليها اسم نوعا، وتضم الان منازل متنقلة بدأت عائلات بالاستقرار فيها بالفعل. كشفت صور الاقمار الصناعية ان المسار الزمني لهذا المشروع لم يتجاوز خمسة اشهر منذ لحظة اقرار المخطط ضمن حزمة استيطانية اوسع، حيث وصلت طلائع الكرفانات الى الموقع في الخامس والعشرين من شهر اغسطس الماضي، لتبدأ بعدها مباشرة عمليات التوطين الميداني.
واظهرت المتابعة الميدانية ان المسافة الزمنية بين اتخاذ القرار السياسي ووصول الوحدات السكنية كانت قياسية، حيث لم يفصل بينهما سوى بضعة اشهر من التحضير اللوجستي، واضافت التقارير ان مراسم تدشين رسمية اقيمت للموقع بعد ستة ايام فقط من وصول اول الوحدات، وذلك بحضور وزراء ومسؤولين في مجلس المستوطنات، مما يعكس اصرارا على فرض واقع جديد على الارض في شمال الضفة الغربية.
وبينت التحليلات البصرية للمنطقة ان الموقع شهد تغيرا جذريا في معالمه الطبيعية، حيث تم شق طرق فرعية وربطها بالشبكة الرئيسية القريبة، وهو ما يسهل عملية الوصول الى المستوطنة الجديدة التي تقع في منطقة استراتيجية جنوب غانيم وكاديم، مؤكدة ان عمليات التجريف كانت تسبق الاعلان الرسمي عن التدشين بفترة وجيزة لتهيئة البنية التحتية اللازمة لاستقبال المستوطنين.
خلفيات القرار السياسي والتوسع الجغرافي
وجاء انشاء مستوطنة نوعا في سياق قرار اتخذه الكابينت الاسرائيلي في مارس الماضي، والذي استهدف اقامة او تنظيم عشرات المستوطنات والبؤر في الضفة الغربية، واشارت حركة السلام الان الى ان هذه الحزمة تشمل مستوطنات جديدة وبؤرا كان يجري الدفع نحو شرعنتها قانونيا، وتظهر نوعا في هذا المخطط كحلقة وصل هامة تهدف الى ربط المستوطنات القديمة في المنطقة ببعضها البعض لتعزيز التواجد الاستيطاني في شمال الضفة.
وذكرت مصادر محلية ان الهدف المعلن من هذا المشروع هو خلق كتلة استيطانية متصلة، حيث يقول مجلس المستوطنات ان الخطة تتضمن اعادة احياء مواقع تم اخلاؤها في سنوات سابقة، واكدت قياسات جغرافية ان المستوطنة الجديدة تقع على مسافة قريبة من محاور الطرق القائمة، مما يعزز من قدرة الاحتلال على التحكم في حركة التنقل في محيط جنين وربط التجمعات ببعضها.
واوضحت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ان هذا التوسع لا يقتصر على الوحدات السكنية فحسب، بل يمتد ليشمل شبكة طرق عسكرية واسعة تم الاستيلاء على مئات الدونمات من اجلها، مشيرة الى ان معظم هذه الاراضي تقع في المناطق المصنفة ج، بينما تمتد بعض المسارات لتخدم ربط المستوطنات الجديدة بمناطق استراتيجية اخرى، مما يجعل من نوعا جزءا من مخطط هيكلي اكبر لاعادة تشكيل الجغرافيا في المنطقة.
مسار العودة الى المواقع المخلاة
وتعد مستوطنة نوعا جزءا من مسار يتجاوز حدود التوسع المعتاد ليصل الى اعادة التموضع في مناطق تم اخلاؤها عام 2005، حيث مهد تعديل قانوني اقره الكنيست الطريق امام المستوطنين للعودة الى تلك المناطق، كاشفا عن استراتيجية طويلة الامد تهدف الى الغاء كافة القيود التي كانت تمنع الوجود الاسرائيلي في شمال الضفة الغربية.
وشدد مراقبون على ان وتيرة العمل في نوعا تعكس تحولا في اساليب التنفيذ، حيث يتم الانتقال من القرار الورقي الى الواقع المأهول في وقت قياسي، واكدت صور الاقمار الصناعية ان اعمال التسوية كانت تجري على قدم وساق قبل الاعلان الرسمي، مما يثبت ان المشروع كان مخططا له ليكون نقطة ارتكاز جديدة في محيط جنين.
وختاما، فان انشاء نوعا يعيد رسم خارطة الاستيطان في شمال الضفة، ليس فقط من خلال المستوطنة نفسها، بل عبر ربطها بشبكة طرق وبنى تحتية تعيد وصل المناطق التي شهدت اخلاءات سابقة، مما يجعل من هذا التجمع الجديد جزءا من كيان استيطاني مترابط يمتد في محيط المدن الفلسطينية الرئيسية.
