شهدت المنظومة التعليمية في المغرب تحولا لافتا في توجهات الأسر نحو الجامعات الخاصة التي باتت تستقطب اعدادا متزايدة من الطلاب الباحثين عن فرص عمل حقيقية بعيدا عن مسالك التعليم الحكومي التقليدي. كشف العديد من الطلاب وأولياء الامور أن التوجه نحو هذه المؤسسات لم يعد ترفا بل صار خيارا استراتيجيا لضمان تكوين يواكب متطلبات سوق الشغل المتغير. أظهرت التجارب الحالية أن تخصصات مثل هندسة الطيران وتكنولوجيا المعلومات اصبحت وجهة مفضلة للشباب رغم التكاليف المادية المرتفعة التي تتحملها العائلات في سبيل تأمين مستقبل ابنائها.
واضاف مراقبون ان هذا الاقبال يعود بالاساس الى محدودية المقاعد في الكليات العمومية وارتفاع عتبات الانتقاء التي تفرضها المؤسسات الوطنية وهو ما دفع الطبقة المتوسطة الى التضحية ماديا من اجل الحصول على شهادات معترف بها وتكوين مهني عالي الجودة. وشدد اولياء امور على ان الاستثمار في التعليم الخاص بات يمثل الرهان الاكثر امانا في ظل التنافسية الكبيرة التي يشهدها سوق العمل المحلي والدولي. وبين هؤلاء ان الدراسة باللغات الاجنبية وتوفر المختبرات الحديثة يمنحان الطلاب افضلية نوعية تتجاوز ما تقدمه المؤسسات الجامعية العمومية في بعض التخصصات التقنية.
واكد خبراء ان التوسع في انشاء الجامعات الخاصة الذي انطلق بوضوح بعد عام 2010 اعاد رسم خريطة التعليم العالي في المملكة لتشمل مدنا كبرى ومتوسطة بعيدا عن المركزية التي كانت تحصر هذه المؤسسات في العاصمة والدار البيضاء. واوضح تقرير حديث ان عدد المؤسسات الخاصة شهد نموا مضطردا ليتجاوز حاجز المئتي مؤسسة مع تزايد سنوي ملموس في اعداد الطلبة المسجلين.
تحولات سوق التعليم الخاص
وبين رئيس فيدرالية التعليم الخاص كمال الديساوي ان تزايد الطلب يعكس ازمة ثقة في قدرة الجامعات الحكومية ذات الاستقطاب المفتوح على ضمان مسار مهني واضح للطلبة. واضاف ان الاسر المغربية اليوم اصبحت تقيس جودة التعليم بمعيار العائد المهني المتوقع وليس فقط بالشهادة الاكاديمية وهو ما دفع القطاع الخاص الى تطوير برامج تنافسية لجذب الطلاب المتفوقين.
واشار عبد الناصر الناجي رئيس مؤسسة اماكن لجودة التعليم الى ان نمو هذا القطاع يرتبط ايضا بكونه اصبح مجالا استثماريا مربحا للمستثمرين الذين يستفيدون من استعداد العائلات للاستدانة مقابل ضمان مستقبل ابنائهم. وكشف ان هذا التوجه رغم نجاحه في استقطاب الطلبة الا انه لم يقلص بشكل كاف من هجرة الادمغة بل ساهم في تأجيلها الى ما بعد الحصول على الدبلوم.
واوضح ان التنافس بين الجامعات الخاصة في الاعلان عن نسب توظيف مرتفعة يظل مؤشرا تسويقيا يتطلب القراءة بحذر لغياب بيانات رسمية موحدة ومستقلة تقيم اداء هذه المؤسسات بشكل موضوعي.
تحديات الرقابة والجودة
وذكرت تقارير رسمية صادرة عن المجلس الاعلى للحسابات وجود اختلالات بنيوية تتعلق بضعف المراقبة الادارية والتعليمية للقطاع الخاص طيلة العقد الماضي. واكد خبراء ان غياب الرقابة الفعالة قد يؤدي الى تسليع التعليم وجعله امتيازا طبقيا يقتصر على الميسورين فقط.
واضاف الناجي ان التسهيلات القانونية الممنوحة للمستثمرين في قطاع التعليم قد تخلق تفاوتا مجاليا واجتماعيا عميقا اذا لم تتدخل الدولة لفرض معايير صارمة للجودة. وشدد على ضرورة ربط التراخيص والاعتمادات بحصص إلزامية من المنح الاجتماعية لضمان تكافؤ الفرص.
واختتم الديساوي بالتأكيد على ان المرحلة المقبلة تتطلب سياسة حكومية ملزمة تضمن جودة التكوين وتجعل من التعليم الخاص شريكا حقيقيا في التنمية وليس مجرد قطاع ربحي يعمق الفوارق الاجتماعية القائمة.
