الشأن الفلسطيني: يرى فلسطينيون ناشطون في الحياة السياسية أن بناء مجتمع مستقر يقتضي تعلّم التعايش السلمي مع من يختلفون معهم اختلافاً عميقاً.

قد يبدوان مسارين مختلفين: السلام مع إسرائيل والوحدة بين الفصائل الفلسطينية المتنافسة. غير أنهما يشتركان في متطلبات شاقة، تشمل تجاوز إرث الصراع، وتقبّل الاختلافات الأيديولوجية العميقة، والتعامل مع الواقع كما هو، ومغادرة انتظار مجتمع مثالي.

ويبدو أن تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح يحاول سلوك هذا الطريق.

وعبّر ديمتري دلياني، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، والمتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي، ورئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، عن موقفه بوضوح في حديث إلى صحيفة «جيروزاليم بوست» مطلع الأسبوع الجاري.

ووصف دلياني المجتمع الإسرائيلي بأنه «مفلس أخلاقياً»، ورأى أن سياسات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي وصفه بأنه «عاجز»، أسهمت في الكارثة التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني.

وانتقد دلياني إسرائيل وعباس واللجوء إلى العنف، الذي قال إنه سيقود إلى «مجتمع فاشل». وهو ينتمي إلى مجموعة من الفلسطينيين الناشطين سياسياً الذين يرون أن بناء مجتمع مستقر وقابل للحياة يتطلب من الفلسطينيين تعلّم التعايش بسلام مع من يختلفون معهم اختلافاً جوهرياً.

وقال للصحيفة: «ينظر تيارنا إلى دولة إسرائيل باعتبارها دولة يتعين علينا إبرام السلام معها وفقاً للقانون الدولي… نحن لا نخوض في طبيعتها، فهذا شأن لا يعنينا».

وأضاف: «ونحن، ضحايا هذه الدولة، نطالبها بأن تنشغل بشؤونها عندما يتعلق الأمر بتكويننا وآرائنا… وأن تنظر إلينا باعتبارنا شعباً ينبغي لها صنع السلام معه كي تواصل البقاء في هذا الشرق الأوسط».

ويستند انفتاح تيار الإصلاح على حماس إلى المنطق العملي نفسه.

أمضى زعيم التيار، محمد دحلان، أول رئيس لجهاز الأمن الوقائي في السلطة الفلسطينية، سنوات في مواجهة حماس. ووفقاً لتقرير حصري نشرته مجلة «فانيتي فير»، شارك دحلان في خطة دعمتها إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش لإزاحة الحركة عن الحكم في قطاع غزة عام 2008. وأُبعد دحلان من موقعه في خان يونس، مسقط رأسه، عقب سيطرة حماس بالقوة على قطاع غزة. وبعد سنوات من المواجهة السياسية، غادر الضفة الغربية وسط اتهامات وجهها إليه مسؤولون داخل حركة فتح نفسها.

وعقب تسريب تسجيل انتقد فيه دحلان عباس ونجليه، وجهت إليه السلطة الفلسطينية سلسلة من الاتهامات، شملت محاولة تنفيذ انقلاب على عباس، والضلوع في الملابسات المحيطة بوفاة ياسر عرفات، واختلاس نحو 16 مليون دولار من الأموال العامة.

ونفى دحلان هذه الاتهامات باستمرار.

وربط محللون الحملة التي قادها عباس ضد دحلان بمخاوف من أن إدارة بوش كانت تهيئه لتولي منصب نائب الرئيس وخلافة عباس مستقبلاً.

وخلت رسالة كتبها دحلان وحصلت عليها «جيروزاليم بوست» بصورة لافتة من آثار الخصومة السابقة بينه وبين حماس وقيادة فتح. كما لم تمنعه تلك الخصومة من الاجتماع بقيادة حماس في القاهرة مطلع الشهر الجاري.

وكتب دحلان: «إن الكارثة التي حلّت بغزة، والمخاطر التي تواجه الضفة الغربية والقدس، وحالة الانهيار والضعف والتشرذم التي أصابت مؤسساتنا الوطنية، تستوجب منا مراجعة صادقة وشجاعة، غايتها فهم ما حدث واستخلاص العبر ومنع تكراره، بعيداً عن محاكمة الماضي وتصفية الحسابات».

وأضاف: «وعليه، تجاوز السؤال الأهم قضية من كان محقاً ومن كان مخطئاً، وأصبح: كيف نحمي شعبنا وقضيتنا؟ كيف ننقذ أهلنا في غزة ونحمي شعبنا وأرضنا في الضفة الغربية والقدس؟ وأي نظام سياسي نريد إقامته للأجيال المقبلة؟».

ويقدّم دلياني تفسيراً مباشراً لتقارب دحلان مع حماس: الحركة موجودة وستظل موجودة، ولا يمكن بناء تصور للمستقبل السياسي على افتراض يستحيل تحقيقه.

وقال: «نحن نؤمن بأن حماس موجودة. لم تقضِ الإبادة الجماعية عليها، ولن يكون ممكناً القضاء عليها بالقوة. حماس موجودة بصفتها مقاومة للاحتلال. وما دام الاحتلال العسكري قائماً، ستظل حماس موجودة… وما بقي فلسطيني واحد، سيكون هناك فصيل يقاوم الاحتلال العسكري».

وينطلق سياسيون فلسطينيون من حقيقة أن حماس ستواصل نشاطها، رغم أن الاتفاق المدعوم أميركياً، والذي وقّعته الحركة وإسرائيل، اشترط على الجماعة المدعومة من إيران أن توافق على «ألا يكون لها أي دور في حكم غزة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو بأي شكل من الأشكال».

وقال دلياني إن حماس «احترمت حتى الآن خطة ترامب… [والقانون]»، في حين اتهمها الجيش الإسرائيلي مراراً بانتهاك الاتفاق. ورجّح أن تلتزم الحركة بالضوابط المتعلقة بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.

وأكد حسام بدران، العضو البارز في المكتب السياسي لحماس، عبر قناة «الأقصى» الشهر الماضي، أن الحركة تعتزم المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي. وقال كوبي ميخائيل، الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي، للصحيفة آنذاك إن حماس قد تشارك من خلال تشكيل حزب جديد لا يحمل اسمها، أو عبر التحالف مع دحلان.

ولكي يشارك أي حزب في الانتخابات، يتعين عليه الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، كما يجب أن يكون المرشح مواطناً فلسطينياً مقيماً بصورة دائمة في الأراضي الفلسطينية. ولا تعترف حماس بمرجعية منظمة التحرير، ويرتبط ذلك جزئياً برفضها الاعتراف بدولة إسرائيل، فيما يقيم دحلان في دولة الإمارات العربية المتحدة. وتزيد هذه المعطيات احتمال مشاركة الحركة ودحلان في الانتخابات تعقيداً.

ومع ذلك، قد يمنح التحالف أنصار حماس وسيلة للإدلاء بأصواتهم، ويعزز موقع تيار الإصلاح الديمقراطي، أحد أجنحة فتح، ويتيح لحماس دوراً أو حماية أو نفوذاً في مستقبل الأراضي الفلسطينية.

وقال دلياني: «سواء كان لحماس دور أم لم يكن… فالأيديولوجيا موجودة… والادعاء بأن الفكرة أو الأيديولوجيا قد اختفت ينم، في أقل تقدير، عن جهل».

انتخابات الرئاسة الفلسطينية قد تُجرى عام 2027

إلى جانب انتخابات المجلس التشريعي التي تفصل عنها بضعة أشهر، قد تُجرى انتخابات رئاسية أخيراً عام 2027.

وظلت الانتخابات مؤجلة طوال الأعوام الـ15 الماضية، مما أتاح لعباس البقاء في منصبه بعد انتهاء ولايته المحددة بأربع سنوات بوقت طويل.

وأظهرت استطلاعات الرأي الفلسطينية مراراً محدودية التأييد الشعبي لعباس. ووفق أحدث استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، فإن 14% فقط من الفلسطينيين سيصوتون له إذا أُجريت انتخابات رئاسية اليوم.

وبسبب صدور حكم غيابي بحقه عن محكمة فلسطينية، يُمنع دحلان حالياً من الترشح للرئاسة بموجب المادة 37 من القرار بقانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة، والمادة 75 من الدستور الفلسطيني، التي تحظر ترشح من صدر بحقه حكم عن محكمة مختصة في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة.

ويمكن أن يستعيد دحلان أهليته للترشح إذا أُلغي الحكم أو نُقض استئنافاً، أو إذا صدر عفو عنه في إطار اتفاق للوحدة الوطنية.

وفي ظل سعي عباس الحثيث إلى توريث نجله منصبه، قال دلياني إن لدى الناخبين الفلسطينيين دافعاً لمنع تكرار نمط انتقال السلطة الذي أتاح لنظام الأسد حكم سوريا.••••••

*التكملة بالعربي ادناه والتقرير الصحفي كامل على الرابط باللغة الإنجليزية*

*التقرير كاملاً على الرابط التالي:*

‏https://www.jpost.com/middle-east/article-907520


وقال: «ما جرى في سوريا بين حافظ الأسد ونجله حالة شاذة، ولن يتكرر في العالم العربي. لم ينجح أحد في ذلك سوى حافظ الأسد، ونحن نعرف كيف انتهى الأمر».

وأضاف: «لن يحل نجله [ياسر عباس] مكانه. ابنه لا يملك فرصة انتخابية حتى داخل فتح، ناهيك عن خارجها، ولا حتى داخل تيار والده نفسه. ولنتذكر أنه عُيّن في هذا الموقع ضمن ترتيبات مرسومة ومحكومة سلفاً، وهي ترتيبات ستتعذر إذا تحققت أي مصالحة داخل الحركة».

«لا تكتسب أي سلطة أو سلاح شرعيتهما فوق إرادة الشعب»

وفي سياق تجدد المساعي لتوحيد الفصائل الفلسطينية، كتب دحلان في رسالته: «قد نختلف مع حماس أو الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة الفلسطينية…» وأضاف أن «أي سلطة لا تكتسب شرعيتها، ولا يكتسب سلاحها شرعيته، فوق إرادة الشعب».

ومنذ أن أقصت حماس السلطة الفلسطينية من غزة بالقوة عام 2007، اندلعت التوترات بين الفصائل الفلسطينية في مواجهات مسلحة متفرقة. وكان آخرها في ديسمبر/كانون الأول 2024، عندما اشتبك مقاتلون من حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني مع قوات الأمن التابعة للسلطة خلال عملية أمنية في جنين. كما حثّت حماس الفلسطينيين على التحرك ضد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة.

ووافقت حماس مبدئياً على نزع سلاحها وفق خطة ترامب، غير أن التنفيذ لم يبدأ بعد، وسط خلافات بشأن الأسلحة التي قد يُسمح لها بالاحتفاظ بها، وما إذا كان يتعين على إسرائيل الانسحاب الكامل من القطاع أولاً.

وتقتضي رؤية الوحدة أن تحدد الفصائل موقع المقاومة المسلحة ضمن استراتيجية وطنية أشمل، خصوصاً في ضوء رفض حماس الاعتراف بإسرائيل وتمسكها منذ زمن بمشروع دولة فلسطينية واحدة، في حين أعلنت شريحة واسعة داخل تيار الإصلاح الديمقراطي تأييدها لحل الدولتين على أساس حدود عام 1967.

ويواجه تيار الإصلاح معضلة واضحة، فالبراغماتية لها حدودها. والاعتراف بحماس باعتبارها واقعاً سياسياً لا يحسم الخلاف الجوهري بشأن السلاح والاعتراف بإسرائيل ومستقبل النظام السياسي في غزة. كما أن تأييد حل الدولتين لا يجعل المصالحة مع فصيل يرفض وجود إسرائيل أكثر سهولة.

وقال دلياني إن شعبية المقاومة المسلحة آخذة في التراجع، وطلب أن توضح الصحيفة تمسكه بأن «جميع أشكال المقاومة مشروعة بموجب القانون الدولي في الأراضي المحتلة المعترف بها دولياً. والحصار وجه من أوجه الاحتلال العسكري، ومقاومته بأي وسيلة أو شكل مشروعة تماماً».

وقال دلياني، الذي يعارض جميع أشكال العنف: «حتى إذا نجحت المقاومة المسلحة في تحقيق أهدافها، فإنها ستفضي إلى مجتمع فاشل». وأضاف أن التعويل عليها لا يستقيم عملياً في مواجهة إسرائيل التي تمتلك جيشاً أكثر قدرة.

وأوضح: «لو دخلت منافسة مع مايك تايسون، فلن أختار حلبة الملاكمة، رغم أنه أكبر مني سناً. من المؤكد أنه أكثر لياقة ومهارة وقوة، وسيقضي عليّ في جزء من الثانية. سأواجهه على رقعة الشطرنج. لا نستطيع مجاراة إسرائيل بالعنف».

ورأى أن كثيرين داخل حماس توصلوا إلى القناعة ذاتها.

وجاء حديث دلياني عن المقاومة غير العنيفة مصحوباً بإدانة أوسع للمجتمع الإسرائيلي. وقال إن استطلاعات الرأي أظهرت تبايناً صارخاً بين تأييد الفلسطينيين للمقاومة المدنية ومواقف الإسرائيليين خلال الحرب بين إسرائيل وحماس، واصفاً المجتمع الإسرائيلي بأنه «مؤيد للإبادة الجماعية في معظمه»، وبأنه، حسب تعبيره، «طائفة تمجّد الموت والإبادة الجماعية».

واعتبر دلياني أن إسرائيل تقدم نموذجاً واضحاً لمجتمع قاده العنف إلى الفشل، مستشهداً بالهجرة وأوضاع الاقتصاد الإسرائيلي مثالين بارزين على ذلك، وسبباً رئيسياً لتوجيه الطاقات الجماعية نحو تحسين التعليم والرعاية الصحية.

واختتم دحلان رسالته بالقول: «مسؤوليتنا اليوم أن نفتح مساراً مختلفاً، يصون حق الاختلاف في الرأي، ويجعل التعددية مصدر قوة، والانتخابات وسيلة لتداول السلطة، ويضع المؤسسات فوق الأفراد والوطن فوق الجميع».