تتعرض الرموز الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية لحملة ممنهجة من قبل قوات الاحتلال تهدف إلى محو كل ما يمت بصلة لتاريخ النضال والشهداء. وفي قرية عورتا جنوب نابلس استيقظ السكان مؤخرا على وقع اقتحام مفاجئ أجبر خلاله الجنود مواطنين على طمس عبارات وطنية ورسومات لشخصيات رمزية عن جدران البلدة. كشفت هذه الممارسات عن رغبة الاحتلال في طمس الذاكرة الجمعية للفلسطينيين وتحويل الفضاء العام إلى مساحة خالية من أي دلالة سياسية أو وطنية.
واضاف شهود عيان أن جنود الاحتلال احتجزوا عددا من المواطنين لساعات طويلة وأجبروهم على شراء الطلاء بأنفسهم ومسح شعارات وطنية كانت تزين جدران إحدى المدارس. وبين رئيس مجلس قروي عورتا أن هذه التصرفات تعيد للأذهان سياسات الانتفاضة الاولى حيث كان الاحتلال يمارس ضغوطا مشابهة لكسر الإرادة الشعبية. وأكد أن البلدة تتعرض لضغوط مستمرة من المستوطنين الذين يحاولون السيطرة على مواقع فيها بدعوى وجود مقامات دينية.
وشدد مراقبون على أن هذه الاقتحامات ليست مجرد أحداث عابرة بل هي استراتيجية تهدف إلى تحجيم الهوية الفلسطينية وضرب كل ما يذكر الشعب بنضاله وتضحياته. واظهرت الممارسات الميدانية أن الاحتلال لم يكتفِ بملاحقة الأحياء بل امتدت يده لتطال النصب التذكارية للشهداء التي تعد بمثابة مزارات رمزية لعائلاتهم.
استهداف الرموز وتجريف التاريخ
وتزامن الاعتداء في عورتا مع قيام عضو الكنيست تسفي سوكوت بهدم نصب تذكاري لشهداء قرية مادما بيديه في مشهد استفزازي يعكس تصاعد التطرف داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية. وقال مواطنون من مادما إن هذا النصب كان يمثل معلما وطنيا يضم أسماء شهداء سقطوا منذ سنوات طويلة وآخرين لا تزال جثامينهم محتجزة لدى الاحتلال. وأوضح السكان أن تحطيم النصب كان فعلا قاسيا ترك أثرا عميقا في نفوس أهالي الشهداء الذين كانوا يجدون في هذا المكان متنفسا لزيارة ذويهم.
واكد سكان القرية أن سوكوت وصل إلى الموقع بحماية عسكرية كاملة وطالب الجيش بهدم النصب قبل أن يبادر هو شخصيا بتنفيذه. وأضاف أهالي الشهداء أن هذا السلوك يندرج ضمن محاولات الاحتلال إثبات السيطرة الأمنية المطلقة على القرى الفلسطينية. وبينوا أن النصب الذي تم تدميره كان قد شيد قبل سنوات طويلة ليحفظ أسماء من ضحوا بأرواحهم في سبيل الوطن.
واشار محللون إلى أن هذه الخطوات تأتي في سياق دعاية انتخابية داخل إسرائيل حيث يتسابق السياسيون لإظهار مدى قدرتهم على التنكيل بالفلسطينيين. واكدوا أن الحكومة الإسرائيلية تسعى من خلال هذه الأفعال إلى إيصال رسالة مفادها أن كل فعل نضالي هو هدف مشروع للتخريب والمسح.
سياسة التغييب ومحاربة الهوية
وشهدت مناطق واسعة في الضفة الغربية اعتداءات مشابهة طالت أضرحة وجداريات في قرى نابلس ورام الله والجنوب. وقالت مصادر محلية إن جنود الاحتلال مزقوا صور الشهداء في كفر مالك ودمروا جداريات فنية في قرية الطبقة في تكرار لنهج التخريب المتعمد. وأضافت المصادر أن هذه الاعتداءات أصبحت جزءا من الروتين اليومي لقوات الاحتلال التي تستهدف كل ما يرمز للثقافة النضالية الفلسطينية.
وبين المختص في الشأن الإسرائيلي خلدون البرغوثي أن الاحتلال يلجأ لثلاثة أساليب رئيسية لقمع المجتمع الفلسطيني تبدأ بنزع الإنسانية عن الفلسطيني ثم تشييئه وصولا إلى تغييب وجوده تماما. وأوضح أن محاربة النصب التذكارية هي محاولة لحرمان الشعب من حقهم في تخليد ذكراهم. وأضاف أن هذه الممارسات تعكس عقلية استعمارية لا تكتفي بالسلاح بل تحاول اقتلاع الذاكرة من عقول الأجيال الناشئة.
واكد المحلل أن تصاعد العنف في الضفة يأتي في إطار محاولة تجريم الفعل النضالي ومنع أي شكل من أشكال التعبير عن الهوية الوطنية. واضاف أن الاحتلال يدرك جيدا أن الذاكرة الفلسطينية هي خزان الصمود ولذلك يسعى بكل قوته إلى تفتيتها وتدمير شواهدها المادية في كل قرية ومدينة.
