بقلم: المحامي حسام العجوري

في مسيرة الدولة الأردنية، التي أرستها القيادة الهاشمية على قيم الكفاءة والانضباط وخدمة الإنسان، تبقى هناك أسماء لا تستمد مكانتها من مواقعها، بل من سيرة أصحابها ومواقفهم وأثرهم في الناس.

ومن هذه النماذج يبرز العميد الطبيب حاتم العبادي، مساعد مدير الخدمات الطبية الملكية؛ رجلٌ تسبق أخلاقه حضوره، وتتكلم مواقفه عنه قبل أن تتحدث الألقاب.

ليس هذا المقال استعراضاً لمسيرة رجل، ولا تعداداً لمسؤولياته، وإنما هو كلمة تقدير وشهادة حق في شخصية تركت انطباعاً طيباً لدى كل من عرفها وتعامل معها.

فالرجال لا تُقاس قيمتهم بما يملكون من صلاحيات، وإنما بما يفعلونه حين توضع المسؤولية بين أيديهم.

وحاتم العبادي من أولئك الذين أدركوا أن المسؤولية ليست امتيازاً، وأن المكانة الحقيقية لا تُفرض على الناس، بل تُكتسب منهم.

عرفه من اقترب منه خلوقاً، متواضعاً، هادئاً في حضوره، واضحاً في موقفه، قريباً من الناس، واسع الصدر، حريصاً على الاستماع، وسريعاً في الاستجابة حين يكون للموقف ما يستحقه من اهتمام.

وهذه الصفات قد تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في ميزان المسؤولية عظيمة؛ لأن الإنسان لا ينسى من احترمه، ولا ينسى من استمع إليه، ولا ينسى من شعر بحاجته وتعامل معها بجدية وإنسانية.

ولعل أجمل ما يميز حاتم العبادي أن هيبته لا تحتاج إلى استعراض، وحزمه لا يحتاج إلى قسوة، وتواضعه لا ينتقص من مكانته.

فهو يعرف أن الحزم ليس تعالياً، وأن الاستماع ليس ضعفاً، وأن التواضع ليس تراجعاً عن الهيبة، وإنما هي صفات إذا اجتمعت في رجل صنعت منه مسؤولاً يحظى بالاحترام لا بالخشية وحدها.

إن احترام الناس لرجل ليس أمراً تمنحه القرارات، ولا تصنعه الألقاب، ولا يمكن أن تفرضه المناصب.

إنه رصيد يتراكم عبر السنوات، موقفاً بعد موقف، ومعاملة بعد معاملة، وكلمة طيبة بعد أخرى.

ومن هنا تأتي قيمة الشهادة التي يقدمها الناس لمن عرفوا حاتم العبادي؛ شهادة لا تحتاج إلى مبالغة، لأن أجمل الشهادات هي التي تأتي عفوية من الناس وفي غياب صاحبها.

شكراً يا حاتم باشا.

شكراً لأنك جعلت للإنسان مكانه قبل المعاملة، وللموقف قيمته قبل الإجراءات، وللاحترام حضوره في كل تعامل.

شكراً لكل موقف وقفت فيه إلى جانب إنسان، ولكل استجابة كانت في وقتها، ولكل كلمة طيبة ربما بدت لك عابرة، لكنها بقيت في ذاكرة من سمعها.

شكراً لأنك أثبت أن المسؤول يستطيع أن يكون حازماً دون أن يفقد إنسانيته، وقريباً من الناس دون أن يفقد هيبته، وصاحب قرار دون أن يغلق باب الاستماع.

ولا أكتب ذلك من باب المجاملة؛ فالمجاملة عابرة، أما التقدير الذي تصنعه المواقف فباقٍ، وشهادة الناس أصدق من أي مديح.

قد تتغير المواقع، وتتبدل المسؤوليات، وتنتهي مرحلة وتبدأ أخرى، لكن ما يبقى للإنسان هو اسمه في ذاكرة الناس، وما يترسخ هو أثره في نفوس من عرفوه.

وحين يُذكر الرجل في غيابه فيقال: كان محترماً، متواضعاً، متعاوناً، وصاحب موقف، فهذه ليست عبارة عابرة، بل وسام لا تمنحه جهة ولا يصدره قرار.

حاتم العبادي.. رجلٌ لا تختصره رتبة، ولا يختصره موقع، لأن قيمته الحقيقية تكمن في أخلاقه، وفي حضوره الإنساني، وفي احترامه لمن حوله.

وفي زمن نحتاج فيه إلى إبراز النماذج التي تجعل من المسؤولية أخلاقاً قبل أن تكون صلاحية، يصبح من الإنصاف أن نقول كلمة تقدير لمن يستحقها.

حاتم العبادي.. تسبقه أخلاقه، وتشهد له مواقفه، ويظل احترام الناس له أصدق شهادة يمكن أن ينالها رجل.

فالمناصب قد تمنح الإنسان مكاناً في السلم الإداري، لكن الأخلاق هي التي تمنحه مكاناً في قلوب الناس.