يغرق الكثير من الموظفين في طقوس يومية تهدف فقط لإيهام المحيطين بهم بأنهم في قمة انشغالهم، حيث يمارسون حركات روتينية كالنقر المستمر على لوحات المفاتيح أو التنقل بين المكاتب بأوراق لا أهمية لها، وذلك لضمان عدم لفت الانتباه لقلة مهامهم أو رغبتهم في التهرب من ضغوط إضافية. تظهر البيانات الحديثة أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد تصرف فردي، بل تحولت إلى سلوك مؤسسي يمارسه الموظفون تحت ضغط الحاجة لإثبات الوجود داخل بيئة العمل.

كشفت دراسة حديثة أن نسبة كبيرة من العاملين، وصلت إلى 66% من الموظفين و73% من المديرين، يعترفون بممارستهم لهذا التظاهر بالعمل، مشيرين إلى أن ثقافة التواجد الجسدي أصبحت هي المعيار الأساسي للنجاح في نظر الكثير من المؤسسات. وأظهرت الأرقام أن جيل زد يتصدر هذه القائمة بنسبة تصل إلى 80%، مما يفتح الباب لتساؤلات حول طبيعة العلاقة بين هذا الجيل وسوق العمل الحديث.

أوضحت التحليلات أن هذا الجيل يضع جودة الحياة وتخصيص الوقت للحياة الشخصية كأولوية قصوى، وهو ما يعرف بظاهرة الاستقالة الهادئة، حيث يفضلون البحث عن فرص عمل تتناسب مع نمط حياتهم بدلاً من التضحية براحتهم من أجل مسار مهني لا يقدر جهودهم بالشكل الكافي. وبينت البيانات أن متوسط استمرار الموظفين من هذا الجيل في وظيفة واحدة لا يتجاوز العام في سنواتهم الأولى، مما يفرض تحديات كبيرة على الإدارات في كيفية جذبهم والحفاظ عليهم.

ما وراء قناع الانشغال الوهمي

أكدت نتائج الأبحاث أن اتهام جيل زد بالكسل هو اتهام غير دقيق، حيث تبين أن التظاهر بالعمل هو نتيجة مباشرة للاحتراق النفسي والرقابة الصارمة التي يفرضها المديرون، الذين يفضلون رؤية الموظف مشغولاً على رؤيته منتجاً. وأضاف الموظفون أنهم يشعرون بضغوط كبيرة تدفعهم لهذه الممارسات، خاصة في ظل أنظمة المراقبة التقنية التي تزيد من توترهم بدلاً من تحسين أدائهم المهني.

وذكرت الدراسة أن نحو 53% من الموظفين يشعرون بأنهم مجبرون على التظاهر بالانشغال، بينما تصل هذه النسبة إلى 41% بين العاملين عن بعد، مما يؤكد أن المشكلة تكمن في ثقافة القيادة التي تربط بين البقاء على مكتب العمل والإنتاجية. وشدد المشاركون على أنهم يتعمدون تبطئة إنجاز مهامهم خوفاً من تكليفهم بمهام إضافية دون مقابل عادل، وهو ما يفسر لجوءهم لهذه الحيل لتجنب رفع سقف التوقعات ضدهم.

وبينت النتائج أن المديرين أنفسهم ليسوا بعيدين عن هذا المشهد، حيث اعترف 24% منهم بأنهم على دراية تامة بما يفعله موظفوهم، بل إنهم يتجاهلون الأمر أحياناً لعدم وجود معايير حقيقية لقياس الإنجاز الفعلي. وأكدت التقارير أن هذا السلوك تسبب في زيادة مستويات الإجهاد العاطفي لدى 49% من العاملين، مع تسجيل مستويات أعلى من الشعور بالذنب بين النساء نتيجة هذا التظاهر المستمر.

هل هو مجرد صراع أجيال

أظهرت نقاشات مهنية أن جيل زد يواجه الكثير من الأحكام المسبقة، حيث يفضل أصحاب العمل الحديث عن هذا الجيل بدلاً من التحاور معه لفهم دوافعه الحقيقية. وأضاف خبراء الموارد البشرية أن الرغبة في التوازن بين العمل والحياة الشخصية ليست حكراً على جيل معين، بل هي توجه عام يلمس مختلف الأجيال العاملة اليوم في ظل ظروف اقتصادية متغيرة.

وكشفت بيانات منصات متخصصة أن نسبة الموظفين الساعين لتغيير وظائفهم لا تختلف كثيراً بين جيل الألفية وجيل زد، مما يؤكد أن السلوك البشري في جوهره ثابت ولا يتغير بتغير الأجيال. وأوضح محللون أن التركيز على تمييز الأجيال قد يكون وسيلة للهروب من معالجة الأسباب الجذرية لعدم الرضا الوظيفي، مثل ضعف الرواتب وزيادة أعباء العمل دون تقدير كافٍ.

وختاماً، فإن ظاهرة التظاهر بالعمل ليست سوى مرآة لخلل في بيئة العمل المعاصرة التي تفتقر إلى الثقة والتقدير، مما يدفع الموظفين للبحث عن وسائل دفاعية لحماية صحتهم النفسية. وأكد المراقبون أن الحل لا يكمن في مراقبة الموظفين، بل في بناء ثقافة مهنية تقوم على النتائج الملموسة والاحترام المتبادل بين الإدارة والفرق العاملة.