حين يُستهدف إنسان في الأردن لا يسأل الوجع عن دينه، ولا تميّز الدموع بين مسلم ومسيحي لأننا أبناء أرض واحدة، يجمعنا وطن لم يكن يومًا حكرًا على أحدبل بيتًا يتسع للجميع، وتحميه أخوة لا تهدمها جريمة، ولا تنال منها رصاصة.

إن ما شهدته الكرك يوم الجمعة من جريمة إطلاق نار استهدفت جنازة في كنيسة وأوقعت ضحايا ومصابين ليس وجعًا لفئة دون أخرى، بل جرح في قلب الأردن كله. ومن هنا نتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى أسر الضحايا وإلى إخوتنا المسيحيين وأهلنا في الكرك، سائلين الله الرحمة للضحايا والشفاء للمصابين، وأن يحفظ وطننا من كل سوء.

لن نقبل أن يُختزل الأردن في طوائف ولن نسمح لأحد أن يشكك في أخوة صنعتها الأرض والتاريخ والمواقف. مسيحيو الأردن ليسوا ضيوفًا على وطنهم، بل شركاء أصيلون في هويته وكرامته ومستقبله، كما أن المسلمين والمسيحيين أبناء وطن واحد، تتساوى فيه كرامة الإنسان وحقوقه ولا تتجزأ فيه المواطنة بحسب الدين أو المعتقد. ومن يعتدي على أردني مسيحي لا يستهدف إخوتنا المسيحيين وحدهم، بل يعتدي على الأردن بأكمله لأن أمن المواطن من أمن الوطن وكرامته من كرامة شعبه.

إن أخطر ما يمكن أن يلي الجريمة هو أن تتحول دماء الضحايا إلى مادة للفتنةوأن تمنح الشائعات والتحريض فرصة لتمزيق ما عجزت الجريمة عن تمزيقه. لذلك فإن مسؤوليتنا اليوم ليست الغضب وحده بل الوعي الذي يحمي المجتمع، ويرفض التعميم، ويمنع اتهام الأبرياءويترك كشف الدوافع والملابسات للتحقيق والجهات المختصة. لا نريد انتقامًا أعمى نريد حقيقة كاملة وعدالة حازمة ومحاسبة قانونية لا تستثني أحدًا.

ونؤكد ثقتنا بوعي الشعب الأردني وقدرة أجهزتنا الأمنية ومؤسسات الدولة على كشف الحقيقة وملاحقة المتورطين وتقديمهم إلى العدالة. فالأردن الذي واجه التحديات بتماسك أبنائه قادر على حماية أمنه ووحدته، متى بقي أبناؤه أوفياء لمسؤوليتهم الوطنية ورفضوا الشائعات وتمسكوا بالقانون، ولم يسمحوا لأحد بأن يستثمر ألمهم لضرب استقرارهم.

إن معركتنا ليست مع دين أو طائفةبل مع الإرهاب والتطرف وكل فكر يستبيح الدماء أو يحوّل الاختلاف إلى عداوة. لا عقيدة تبرر قتل الأبرياء ولا خلاف يمنح أحدًا حق تهديد حياة الآخرين، ولا متطرف يملك الحق في تقرير من يستحق أن يعيش بأمان على أرض الأردن. ومواجهة هذا الخطر مسؤولية الدولة والمجتمع معًا بالقانون والوعي والتربية وترسيخ ثقافة المواطنة والاحترام المتبادل.

وفي ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه يبقى الحفاظ على أمن الأردن واستقراره ووحدة أبنائه مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة. فحب الوطن ليس شعارًا يُرفع وقت الأزمات، بل موقف يظهر حين نحمي بعضنا وننصف المظلوم ونرفض الفتنة، ونقف صفًا واحدًا خلف مؤسسات الدولة وسيادة القانون.

إلى إخوتنا المسيحيين، وإلى أسر الضحايا والمصابين، نقول أنتم لستم وحدكم وجعكم وجعنا، وأمنكم أمننا، وكرامتكم من كرامة الأردن. لن تغيّر جريمة تاريخ أخوتنا، ولن تجعلنا رصاصة ننسى أننا نتقاسم الأرض والخبز والجيرة والمصير. وإلى كل من يراهن على انقسام الأردنيين، نقول إن وحدتنا ليست شعارًا موسميًا، بل حقيقة نثبتها بالمواقف، وإن دماء الضحايا لن تكون جسرًا تعبر منه الفتنة إلى بيوتنا وقلوبنا.

سنظل يدًا واحدة، مسلمين ومسيحيين، من الكرك إلى شمال الأردن وجنوبه نواجه الإرهاب بالقانون والتطرف بالوعي، والفتنة بوحدتنا. لن نسمح لأحد أن يختار لنا أعداءنا أو أن يحوّل أخانا إلى غريب أو أن يمس أمن هذا الوطن وكرامة أبنائه.

الأردن ليس قلبين ولا نبضين الأردن قلب واحد ونبض واحد. ومن يستهدف جزءًا منه، يستهدفه كله.

حفظ الله الأردن وشعبه، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ورحم الضحايا، وألهم أسرهم الصبر والسلوان، وشفى المصابين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.

عاش الأردن وطنًا واحدًا، وشعبًا واحدًا، وبيتًا لا تفرقه الطوائف، ولا تهزمه الفتن، ولا تكسر إرادته يد الإرهاب.