بقلم: سوسن الحلبي

 

لا أزال أذكره يناديني: "حبيبتي"... بصوتٍ يملؤه الجوى، منهكًا من كثرة الآلام... وجسده المتعب مكبلٌ بسلاسل تشدُّ وثاق يديه الضامرتين، اللتين لم تعودا تقويان من شدَّة عنائهما على الحراك... غير أنها أطلقت العنان من ضيقها، لدموعٍ تنهمر من مقلتيه الذابلتين، فوق وجهه البائس الحزين…

كان رغم جراحه، يَسعد في أعماقه وهو يخاطبني قائلاً:

“أحبّك يا ابنتي!”

ليتعاظم صوته في داخلي،

وأسمع كلّ ما تمنيت سماعه منذ

 زمنٍ بعيدٍ…

أحسستُ بيديه الطاهرتين تحتضنانني، رغم المسافات والقيود... وتمنيت لو افتديتُ بجسدي وروحي كلّ جراحه، وأن تتلاشى بقربه كلّ العوائق والحدود…

كنت أجلسُ على كرسيٍّ، مقيدةً بالسلاسل في يديّ، وبوجعه من رأسي حتى أخمص قدميّ…

لكنه أخيرًا استطاع تقبيلي؛ قبلني كما لم يقبلني من قبل!!! كان يفعلها وكأنه يحاول وداعي، مشيحًا بنظراته المجروحة عن وجهي، وخوفه الذي كان يعتريه طيلة

 لقائنا هناك…

كنت أعلم أنه يكره انكساره أمامي، لكنّ ما رأيته يومها لم يكن سوى شموخٍ سطّر للتاريخ مجدًا

 لا يزول…

فأنت رمزٌ للشجاعة يا أبي... رمز الكرامة والتضحية، بعد أن عزَّ على الدنيا أن تجود بمثلك سوى القليل…

لن ينكسر مرآك يومًا في ناظري، أيُّها العظيم... وستبقى أنت الأبيُّ، مهما عزَّت بك الدروب…

فليحفظك الله، أبي الغالي... ودمت لقلبي وروحي شمس العزة التي

 لا تغيب…

فإن لم يكن خارج القضبان يومًا لقاؤنا، ففي جنة الفردوس ملقانا أيّها الحبيب…