بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
شهد الأردن خلال السنوات الأخيرة تحولًا مهمًا في الحياة الحزبية ضمن مشروع التحديث السياسي، مع تشجيع تأسيس الأحزاب واندماج بعضها ورفع مستوى المشاركة الحزبية في الانتخابات والبرلمان.
لكن بعد مرور عدة سنوات على بدء التجربة، أصبح من الضروري أن نطرح سؤالًا أكثر أهمية من مجرد عدد الأحزاب أو المنتسبين إليها: هل نبني أحزابًا سياسية حقيقية، أم نجمع أعدادًا من الناس داخل أطر حزبية؟
هذا السؤال يزداد أهمية مع تكرار الاستقالات والتنقل بين الأحزاب، بما في ذلك استقالات أعضاء وقيادات شغلوا مواقع متقدمة.
ولا أرى أن كل استقالة تعني بالضرورة وجود خلل. فقد يختلف عضو مع حزبه في قضية جوهرية ويرى أن الاستقالة هي الموقف الأكثر انسجامًا مع قناعاته. كما أن من حق الحزب أن يغير بعض مواقفه وفق مؤسساته ونظامه الداخلي.
لكن عندما تتكرر الاستقالات والانقسامات، يصبح من المشروع أن نسأل إن كانت المشكلة في الأفراد فقط، أم في طريقة بناء الحزب نفسه.
العضوية العددية ليست عضوية سياسية
وجود ألف عضو أو أكثر لا يعني بالضرورة وجود ألف عضو سياسي فاعل.
السؤال الحقيقي هو: كم منهم يعرف برنامج الحزب؟ كم يشارك في اجتماعاته وانتخاباته الداخلية؟ وكم انضم عن اقتناع بفكرة سياسية، وليس بسبب علاقة شخصية أو اجتماعية أو عائلية؟
هناك فرق كبير بين اسم موجود في سجل العضوية وبين عضو يشعر أنه جزء من مشروع سياسي واضح.
ولهذا فإن قوة الحزب لا تقاس بطول قائمة أعضائه، بل بمدى استقرار عضويته وفاعليتها.
أين الهوية السياسية؟
المشكلة الأخرى أن الفروق بين عدد من الأحزاب لا تزال غير واضحة بالقدر الكافي.
معظم البرامج تتحدث عن التنمية والعدالة الاجتماعية وتحسين التعليم والصحة ومحاربة البطالة وتشجيع الاستثمار.
لكن هذه أهداف وطنية عامة، وليست وحدها هوية سياسية.
الحزب الحقيقي يجب أن تكون لديه مواقف واضحة من الاقتصاد والضرائب ودور الدولة والقطاع الخاص والدين العام والخصخصة والسياسة الخارجية والقضايا الوطنية والإقليمية.
إذا لم تكن هذه المواقف واضحة، فمن الطبيعي أن يجتمع داخل الحزب أشخاص يحملون رؤى متباعدة، ثم تظهر خلافاتهم عند أول اختبار سياسي.
الاندماج القانوني لا يعني الاندماج السياسي
شهدت المرحلة الماضية اندماجات بين أحزاب بهدف إنشاء كيانات أكبر.
لكن دمج الهياكل أسهل من دمج الثقافات السياسية.
قد تتفق القيادات على اسم ونظام ومكتب سياسي موحد، لكن الأعضاء يحتفظون بمواقفهم وتاريخهم السابق. وعند أول قضية خلافية كبيرة، تظهر الفوارق التي كان الاندماج التنظيمي قد غطاها.
ولهذا فإن نجاح الاندماج لا يقاس بإعلان حزب جديد، بل بوجود هوية سياسية مشتركة فعلًا.
الديمقراطية الداخلية هي الاختبار
الحزب الذي يريد أن يكون جزءًا من تجربة ديمقراطية يجب أن يمارس الديمقراطية داخله.
ولا تعني الديمقراطية الداخلية مجرد انتخاب القيادة، بل وجود نقاش حقيقي قبل اتخاذ القرارات، وحق الأعضاء في الاعتراض، ومشاركة المؤسسات المنتخبة في رسم السياسات.
في الحزب الناضج قد يخسر العضو التصويت لكنه يبقى لأنه يثق في العملية التي أنتجت القرار.
أما إذا أصبح أمام العضو خياران فقط، إما الموافقة الكاملة أو الاستقالة، فهذه علامة على ضعف المؤسسة.
هل القانون يشجع بناء الأحزاب أم تجميع الأعداد؟
هنا نصل إلى نقطة تستحق المراجعة.
القانون الحالي يشترط عند التأسيس عددًا كبيرًا من المؤسسين، مع توزيعهم على عدة محافظات ووجود حد أدنى من الأعضاء من كل محافظة.
والهدف مفهوم: إنشاء أحزاب وطنية واسعة، وعدم تشجيع الأحزاب المحلية أو الضيقة.
لكن المشكلة أن هذه الشروط قد تدفع المؤسسين إلى التركيز على استكمال العدد قبل اكتمال الفكرة السياسية.
في الوضع الطبيعي، الحزب يبدأ بفكرة. تجتمع مجموعة تؤمن برؤية مشتركة، ثم تنمو الفكرة وتجذب الناس.
أما عندما يصبح المطلوب منذ البداية استكمال عدد كبير من الأسماء موزعين جغرافيًا، فقد يتحول السؤال من:
من يؤمن ببرنامجنا؟
إلى:
كم بقي لنا للوصول إلى العدد المطلوب؟
وهنا قد ينضم بعض الأشخاص لتلبية شرط قانوني أكثر من انضمامهم إلى مشروع سياسي حقيقي.
التمثيل الجغرافي لا يصنعه رقم
من الضروري أن يكون الحزب وطنيًا وأن ينتشر في المحافظات، لكن الانتشار الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الأسماء المسجلة.
وجود ثلاثين أو خمسين عضوًا في محافظة لا يعني بالضرورة أن للحزب قاعدة سياسية فيها.
الوجود الحقيقي يقاس بالنشاط والاجتماعات والمرشحين والانتخابات والاستمرارية والتفاعل مع المجتمع المحلي.
لذلك يجب أن يكون الانتشار نتيجة نجاح الحزب، لا مجرد شرط رقمي يسبق تكوّنه السياسي.
كيف نقيس النجاح؟
ربما حان الوقت لتطوير مؤشرات أكثر دلالة لقياس نجاح الأحزاب والتحديث السياسي، مثل استقرار العضوية، ونسبة المشاركة الداخلية، ومعدل الاستقالات، ووضوح البرنامج، وقدرة الحزب على إدارة الخلاف، ومدى انتشاره الانتخابي الحقيقي.
القانون يستطيع أن يحدد متى يكون الحزب قائمًا من الناحية القانونية، لكنه لا يستطيع وحده أن يحدد ما إذا كان الحزب حيًا وفاعلًا سياسيًا.
ولهذا فإن الاستمرار القانوني شرط ضروري، لكنه ليس دليلًا كافيًا على النجاح السياسي.
الخلاصة
التحديث السياسي مشروع طويل المدى، ومن الطبيعي أن يمر بمراحل من التعلم والتصحيح.
لكن النجاح لن يُقاس بعدد الأحزاب أو بعدد المنتسبين إليها.
بل سيقاس عندما تصبح لدينا أحزاب مستقرة، ذات برامج واضحة، وقواعد عضوية حقيقية، وديمقراطية داخلية، وقدرة على إدارة الاختلاف دون أن يتحول كل خلاف إلى استقالة أو انشقاق.
فالقاعدة الأساسية بسيطة:
الحزب يبدأ بفكرة تجذب الناس، وليس بألف شخص نبحث بعد ذلك عما يجمعهم سياسيًا.
وعندما تصبح هذه الفكرة أساسًا للعمل الحزبي، نكون قد انتقلنا فعلًا من مرحلة إنشاء الأحزاب إلى مرحلة بناء الحياة الحزبية.
إذا أردت، أستطيع أيضًا جعله أكثر حدة وملاءمة لمقال رأي صحفي بعنوان أقصر وأكثر جذبًا.
