بدأت القاهرة ودمشق مرحلة جديدة من التواصل الدبلوماسي والاقتصادي عبر تفعيل مجلس الاعمال المشترك، في خطوة يراها المراقبون محاكاة لنموذج التقارب المصري التركي الذي اعتمد على المصالح الاقتصادية كمدخل اساسي لتجاوز الخلافات السياسية. واعلنت وزارة الاستثمار المصرية رسميا عن تشكيل الجانب المصري في هذا المجلس، مما يمهد الطريق لتعاون تجاري واسع النطاق يغطي قطاعات الطاقة، والإنشاءات، والصناعات الغذائية والدوائية.
واكد خبراء ان هذه الخطوة تعكس رغبة حقيقية في بناء جسور الثقة بين البلدين بعيدا عن التعقيدات السياسية التقليدية، حيث يمثل الاقتصاد ارضية خصبة للتعاون المشترك. واضاف المحللون ان التجربة المصرية في التعامل مع انقرة خلال السنوات الماضية اثبتت ان المصالح الاقتصادية هي المحرك الاقوى لاعادة العلاقات الى مسارها الطبيعي، وهو النهج الذي تحاول القاهرة تطبيقه الان مع دمشق لتعزيز الاستقرار في المنطقة.
وبينت التحركات الاخيرة، بما في ذلك اللقاءات الوزارية المكثفة بين الجانبين، ان هناك ارادة سياسية واضحة لدعم هذا التوجه، حيث التقى وزير الخارجية المصري بنظيره السوري لبحث سبل تعزيز التجارة والاستثمار. واوضح المراقبون ان تشكيل مجلس الاعمال من الطرفين يهدف الى تذليل العقبات امام المستثمرين وتسهيل حركة البضائع، مما يعزز من فرص التبادل التجاري ويدعم الاقتصاد الوطني في كلا البلدين.
ابعاد التقارب المصري السوري وافاق التعاون المشترك
واشار المختصون الى ان الدور المصري في هذه المرحلة يتسم بالحذر المدروس، حيث تسعى القاهرة الى حماية مصالحها الامنية والاقتصادية مع الحفاظ على توازن علاقاتها الاقليمية. واكدت التقارير ان دمشق تبدي تجاوبا كبيرا مع هذه المبادرات، مدركة ان القاهرة تمثل ثقلا اقليميا لا غنى عنه في اي تسوية سياسية او اقتصادية مستقبلية.
وذكر المحللون ان التنسيق بين القاهرة ودمشق لم يعد يقتصر على الملفات التجارية، بل امتد ليشمل تنسيق المواقف تجاه التحديات الاقليمية الراهنة. واوضحوا ان التحديات المشتركة التي تواجه البلدين، خاصة في ظل التوترات الحدودية والانتهاكات الخارجية، تجعل من التقارب ضرورة استراتيجية تفرضها مقتضيات الامن القومي العربي.
وشددت القاهرة في مواقفها الاخيرة على رفضها القاطع لاي انتهاكات لسيادة الاراضي السورية، معتبرة ان امن سوريا جزء لا يتجزا من امن المنطقة. واضافت الخارجية المصرية في بيان لها ان الحفاظ على وحدة وسلامة الاراضي السورية يمثل اولوية قصوى، محذرة من ان استمرار التصعيد الاقليمي قد يجر المنطقة الى نفق مظلم من عدم الاستقرار.
مستقبل العلاقات الثنائية في ظل التحولات الاقليمية
وكشفت المعطيات الميدانية ان التواصل الدبلوماسي بين البلدين يسير بخطى ثابتة، حيث تم اعتماد تمثيل دبلوماسي جديد في القاهرة لتعزيز قنوات الحوار. وبينت المصادر ان هناك رغبة متبادلة في تجاوز رواسب الماضي والتركيز على الملفات التي تحقق رفاهية الشعوب، مما يفتح الباب امام مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية.
واظهرت التقديرات ان نجاح المسار الاقتصادي سيسرع بلا شك من وتيرة التطبيع السياسي الكامل، خاصة مع وجود رغبة اقليمية لترتيب البيت العربي. واكد الخبراء ان التطورات القادمة ستشهد مزيدا من التنسيق في ملفات اعادة الاعمار والتبادل الثقافي، مما يعزز من فرص عودة العلاقات الى سابق عهدها من القوة والفاعلية.
واختتم المحللون بالقول ان التاريخ اثبت ان الاقتصاد هو اللغة الوحيدة التي تفهمها الدول في اوقات الازمات، وان ما تقوم به القاهرة حاليا هو استثمار بعيد المدى في استقرار المنطقة. واضافوا ان الايام القادمة قد تحمل مزيدا من الخطوات العملية التي ستترجم هذا التقارب الى مشاريع واقعية تلمسها الشعوب وتنعكس ايجابا على استقرار الاقليم.
