سعت الحكومة الايرانية الى اتخاذ خطوة استثنائية لكسر حدة الحصار البحري الذي تفرضه واشنطن على موانئها في الجنوب، حيث اعلنت طهران تعليقا مؤقتا لرسوم تبلغ نسبتها 10% كانت تفرضها على سفن الشحن الاجنبية التي تنقل النفط والغاز والمنتجات البترولية. وجاء هذا القرار بتوجيه من نائب الرئيس للشؤون القانونية استجابة لمطالب لجنة دعم الاعمال التابعة لغرفة التجارة الايرانية، وذلك في محاولة لإنعاش صادرات البلاد التي تواجه ضغوطا خانقة في ظل التوترات المتصاعدة بالمياه الخليجية.

واضاف مراقبون ان هذا الاجراء يهدف بشكل اساسي الى تخفيف الاعباء المالية عن شركات الشحن الدولية التي تجد نفسها امام مخاطر امنية مرتفعة وتكاليف تأمين باهظة، واكد خبراء اقتصاديون ان هذه الخطوة قد تساهم في تحسين تنافسية الصادرات الايرانية وتسهيل وصولها الى الاسواق العالمية عبر تقديم محفزات للناقلات الاجنبية للبقاء في السوق رغم التهديدات الامريكية المستمرة لقطع شرايين الاقتصاد الايراني.

وبين فريدون اسعدي امين اتحاد مصدري النفط والغاز ان تحصيل هذه الرسوم كان متبعا منذ عام 2008 في ظروف طبيعية، موضحا ان البلاد لا يمكنها الاستمرار في تنفيذ سياسات مالية صلبة في ظل التعقيدات الراهنة التي تتطلب مرونة فائقة لتجاوز عقبات التصدير التي فرضتها ظروف الحرب غير المعلنة في مياه الخليج.

هندسة النفقات في مواجهة العقوبات

واشار الباحث الجيواقتصادي مهدي عرب صادق الى ان تعليق الرسوم يندرج ضمن استراتيجية هندسة النفقات التي تتبناها طهران للتعامل مع المواجهة العسكرية المفتوحة، واكد ان مضيق هرمز الذي يعد شريانا حيويا لتجارة الطاقة العالمية بات يشهد تراجعا حادا في حركة العبور، حيث انخفضت اعداد الناقلات التي تجتاز المنطقة بشكل لافت بالتزامن مع انخفاض صادرات النفط الخام الى النصف تقريبا في الآونة الاخيرة.

واوضح عرب صادق ان القرار لا يمثل مجرد اعفاء ضريبي بل هو رسالة سياسية واقتصادية لشركات الشحن العالمية مفادها ان طهران مستعدة لتقليل تكاليف البقاء في السوق لضمان تدفق الطاقة، وشدد على ان هذه الخطوة تظل تكتيكا للبقاء وليست حلا جذريا للازمات المصرفية التي تحول دون عودة عائدات الصادرات الى خزينة الدولة عبر القنوات المالية الرسمية.

وتابع الباحث تحذيراته مبينا ان استمرار الحصار البحري قد يؤدي الى اضرار بنيوية في القدرة الانتاجية للحقول النفطية الايرانية، واكد ان المستهلك المحلي لن يلمس اثرا مباشرا لهذا القرار نظرا لارتباط اسعار الوقود في الداخل بقرارات حكومية مستقلة عن تكاليف الشحن الدولية التي تتقلب وفقا لمخاطر الحرب.

تكتيك البقاء وتحديات الصادرات

واوضح مدير معهد العلاقات الدولية مجيد زواري ان الهدف من وراء هذا القرار هو تخفيف النفقات اللوجستية وحث السفن على مواصلة العمل رغم المخاطر، واضاف ان استمرار فرض الرسوم كان يشكل عقوبة ذاتية تزيد من اعباء المصدرين وتضعف قدرتهم على المنافسة في ظل الظروف القاسية التي تفرضها الولايات المتحدة على قطاع النقل البحري.

واكد زواري ان تعليق الرسوم يمنح المصدرين مرونة اكبر في اختيار اساطيل النقل، وبين ان الازمة الحقيقية تكمن في استمرار الضغط الامريكي على سعر الصرف وتراجع قيمة العملة الوطنية، مما يزيد من تكاليف الواردات ويقلص فرص العمل المرتبطة بالتجارة البحرية ويؤدي الى عرقلة عودة عوائد البلاد من العملة الصعبة.

وشدد زواري على ان هذه الخطوة لا تغير معادلة الامن البحري في المنطقة، واكد ان التكاليف الناتجة عن المواجهات العسكرية المباشرة في المياه الخليجية لا يمكن تغطيتها بمجرد قرارات ادارية، مشيرا الى ان الحرب على الناقلات تتطلب حلولا سياسية اكثر شمولا لضمان سلامة الملاحة الدولية.

حرب مزمنة تتطلب مبادرات سياسية

واشار الدبلوماسي السابق فريدون مجلسي الى ان تعليق الرسوم قد لا يكفي لترغيب السفن في المخاطرة، واوضح ان ظروف الحرب المزمنة تجعل اي اجراء اقتصادي جزئي محدود الفائدة، مؤكدا ان الحصار البحري يظل الضغط الاكبر على الاقتصاد الايراني الذي يعاني من اضطراب في دخول العملة الصعبة.

واضاف مجلسي ان الاولوية القصوى يجب ان تكون لإنهاء حالة التوتر العسكري، وشدد على ان استمرار الصراع يقوض مبدأ حرية الملاحة ويهدد مصالح دولية واسعة، وبين ان الحل لا يكمن في التنازلات الاقتصادية الصغيرة بل في تفعيل قنوات الوساطة الاقليمية لانقاذ المنطقة من الانزلاق نحو مواجهة شاملة.

وختم مجلسي موضحا ان السؤال الجوهري يبقى حول مدى استعداد اطراف الازمة لتقديم تنازلات حقيقية، واكد ان القرار الايراني الاخير قد يكون مجرد خطوة تكتيكية في معركة استنزاف طويلة الامد، ما لم تتبعها مبادرات سياسية تضع حدا لجذور الازمة في الممرات المائية الحيوية.