في محاولة لانتزاع الحياة من بين انقاض الحرب ومرارة الفقد تسعى عشرات النساء والفتيات في قطاع غزة الى تعلم مهنة الخياطة والتطريز كطوق نجاة اخير لاعالة اسرهن. وتاتي هذه الخطوة بعد ان فقدت الكثيرات منهن مصادر دخلهن المستقرة ومنازلهن وحتى افرادا من عائلاتهن مما جعلهن امام تحدي البحث عن استقلال اقتصادي في ظروف بالغة التعقيد. وتعتمد المشاركات في هذا المسار التدريبي على اكتساب مهارات عملية تمكنهن من تشغيل ماكينات الخياطة وتطوير تقنيات انتاج الملابس تمهيدا للانطلاق في مشاريع منزلية صغيرة او الالتحاق بمشاغل متخصصة.

واوضحت احدى المتدربات انها كانت تدير قبل الحرب نشاطا خاصا في فن الكروشيه وتدرب فتيات اخريات على هذه الحرفة اليدوية قبل ان تفرض الحرب توقفا قسريا لكل تلك الانشطة. واضافت ان التحاقها بالدورة الحالية يهدف الى صقل مهاراتها بشكل اكبر واحترافي لتمكينها من تاسيس مشروعها الخاص مجددا. وبينت ان طموحها يتجاوز كسب الرزق الشخصي حيث تسعى لنقل هذه الخبرة الى فتيات اخريات لمساعدتهن على مواجهة واقع الحياة القاسي.

واكدت فتيات اخريات ان الحرب لم تكتفِ بتدمير البيوت بل طالت طموحاتهن التعليمية في مجال تصميم الازياء الذي كان حلما يراودهن منذ الطفولة. وذكرت احداهن انها كانت تحلم بدراسة هذا التخصص اكاديميا لكن توقف المؤسسات التعليمية ودمار البنية التحتية جعل من الخياطة الميدانية والعملية البديل الوحيد المتاح امامهن لتحقيق جزء من احلامهن المهنية.

واقع جديد ومواجهة التحديات

وبينت المشاركات ان قسوة النزوح وفقدان المعيل دفعتهن الى تحمل مسؤوليات مضاعفة تجاه اطفالهن وسط ظروف معيشية وخوف دائم. واشارت احدى النازحات التي فقدت زوجها ومنزلها الى انها ترى في دورة الخياطة فرصة حقيقية لبدء حياة جديدة وتامين دخل ثابت يضمن لاطفالها الحد الادنى من الاحتياجات اليومية. وشددت على ان امتلاكها لماكينة خياطة سيكون بمثابة نقطة الانطلاق نحو العمل من داخل مكان اقامتها او الحصول على وظيفة في ورشة خياطة.

واكد القائمون على المركز التدريبي ان المهارات المكتسبة لا تقتصر على الخياطة التقليدية بل تشمل اعادة تدوير الملابس والاقمشة المتاحة لتحويلها الى منتجات قابلة للبيع. واضافوا ان عشرات النساء تخرجن بالفعل في دورات سابقة ونجحن في افتتاح مشاغل صغيرة خاصة بهن. وكشفت الاحصائيات الميدانية ان المركز يشهد اقبالا متزايدا حيث تتدرب حاليا نحو ستين سيدة بالتوازي مع استمرار استقبال طلبات جديدة للالتحاق بالبرنامج.

وبين القائمون ان هذا التدريب يمثل مسارا حيويا لتمكين الفئات الاكثر احتياجا في المجتمع الغزي. واوضحت التقارير ان البرنامج يتضمن مئة وثلاثين ساعة تدريبية مكثفة تمنح المشاركة في نهايتها شهادة دبلوم وحقيبة ادوات اساسية للبدء في مشروعها الخاص. واكدوا ان هذا المسار يعد الاكثر طلبا نظرا لارتفاع اعداد النساء اللواتي اصبحن المعيل الوحيد لأسرهن في ظل الظروف الراهنة.

دعم نفسي وتجاوز اثار الحرب

واضاف القائمون ان المشروع لا يركز فقط على الجانب المهني بل يوفر مساحة امنة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنساء اللواتي يعانين من صدمات الحرب. واكدت المشاركات ان الخياطة اصبحت بالنسبة لهن اكثر من مجرد مهنة فهي وسيلة لاستعادة الثقة بالنفس وتجاوز الواقع المؤلم. وبينت التقديرات ان هذه المبادرات تساهم بشكل مباشر في اعادة دمج النساء في سوق العمل وتحقيق نوع من الاستقرار النفسي والمادي لهن ولعائلاتهن في وقت تشتد فيه الازمات المعيشية.