يعيش الشاب المسلم اليوم واقعا مليئا بالتحديات الفكرية التي تفرضها التقنيات الحديثة حيث اصبح المحتوى الرقمي يتدفق الى شاشات الهواتف دون استئذان مما يضع الجيل الجديد امام تساؤلات وجودية حول كيفية تحديد مساراتهم الفكرية والاعتقادية وسط ضجيج الخوارزميات. واصبح هذا التساؤل حاضرا بقوة في مؤتمر قيادة الذي استضافته قطر مؤخرا تحت شعار بحدى الايمان نزدهر في عالم متغير وذلك بمشاركة واسعة من الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين سبعة عشر واربعة وعشرين عاما. واكد المشاركون خلال الجلسات وورش العمل ان طبيعة التحديات التي يواجهونها ترتبط ارتباطا وثيقا بكيفية الحفاظ على الهوية الايمانية في بيئة رقمية متسارعة التغير.
وبين الطالب عبد الله البري ان الهاتف المحمول بات يمارس تأثيرا يفوق تأثير المحيطين به في كثير من الاحيان مشيرا الى ان الخطر الحقيقي لا يكمن فقط فيما يختاره الشاب بل فيما تفرضه الخوارزميات عليه من محتوى موجه. واضاف ان القلق يتجاوز مجرد نوعية المحتوى ليصل الى استنزاف الوقت والقدرات في امور قد لا تضيف قيمة حقيقية لحياة الشاب مما يجعله في حالة مراجعة مستمرة لجدوى ما يقضيه من ساعات خلف الشاشة. واوضح ان التحدي يكمن في التمييز بين ما يريده الفرد فعليا وما تمليه عليه المنصات الرقمية من رغبات واهتمامات مصطنعة.
صناعة الاثر في عالم رقمي
وكشفت الطالبة هيام عبيد ان الفضاء الرقمي يحمل فرصا حقيقية للتعلم والابداع رغم الضغوط التي يفرضها حيث اصبح بامكان الطالب اكتشاف آفاق جديدة ومشاركة افكاره مع العالم. واضافت ان التحدي الجوهري الذي يواجه جيلها هو القدرة على اختيار المسارات التي تمثل ذواتهم بصدق بعيدا عن محاولات التميز المصطنعة في مجالات متعددة دفعة واحدة. واكدت ان المقارنة المستمرة مع ما يعرضه الاخرون عبر منصات التواصل الاجتماعي تعد من اكبر العقبات التي تعيق استقرار الشاب النفسي والمهني.
وبينت ان الكثير من الشباب يشعرون بضغط المقارنة رغم ادراكهم بان ما ينشر على الشاشات هو جزء منتقى من حياة الاشخاص وليس واقعهم الكامل. واوضحت ان اختلاف توقيت الانجاز بين شخص وآخر لا يعني بالضرورة اختلاف القيمة او النجاح. وشددت على ضرورة ان يدرك الجيل الاكبر ان سهولة الوصول الى المعلومات لم تجعل الحياة اكثر سهولة بل زادت من تعقيد الضغوط النفسية واثبات الذات في عالم متغير.
تحديات التربية في عصر الذكاء الاصطناعي
واكد الدكتور عثمان عمرجي ان الاسرة لا تزال تمثل الركيزة الاساسية في تشكيل هوية الشاب المسلم بشرط تحديث اساليبها التربوية لتواكب متطلبات العصر الرقمي. واضاف ان الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات جديدة حيث اصبح بامكان الشباب الحصول على اجابات فورية دون الحاجة الى الحوار البشري العميق. وبين ان الاعتماد المفرط على هذه الادوات قد يؤدي الى تراجع مهارات التفكير النقدي وتفكك الروابط الاسرية والاجتماعية التي كانت تمثل مصدرا للارشاد والتربية.
واشار الى ان السؤال الحقيقي لا يكمن في سرعة الحصول على المعلومة بل فيمن يساعد الشاب على فهمها ومناقشتها. واوضحت الدكتورة حنان القطان ان كثرة الاتصال الرقمي لا تعني بالضرورة وجود تواصل عميق حيث تظل هناك فجوة بين العلاقات التي يرجوها الانسان وتلك التي يعيشها فعليا. واضافت ان الوحدة مرتبطة بهذه الفجوة التي تتسع بسبب المقارنات المستمرة التي تفرضها منصات التواصل الاجتماعي على تفاصيل الحياة اليومية.
نحو خطاب ديني اكثر فاعلية
وبينت القطان ان تسمية المشاعر بدقة تعد خطوة اولى نحو الصحة النفسية محذرة من اطلاق مسميات الاضطراب على كل ضيق عابر. واضافت ان الحل لا يكمن في الاعتزال الرقمي بل في استعادة السيطرة على وقت استخدام الشاشات وتخصيص مساحات للعلاقات الانسانية الحقيقية. واكدت على اهمية الاعتراف بالالم دون السماح له بان يصبح تعريفا دائما لهوية الشاب.
واوضح الشيخ علي حمودة ان الحفاظ على المرجعية الدينية لا يعني الانعزال عن العالم بل يعني استخدام هذه المرجعية كميزان للتعامل مع معطيات الواقع. واضاف ان الطريق يبدأ بتعزيز الصلة بالله وفهم الدين فهما عميقا يتيح للشاب مخالطة الناس والتعلم من خبراتهم. وشدد على ضرورة تجديد الخطاب الديني ليكون اكثر استجابة لتساؤلات الشباب العميقة حول الحرية والعدل والغاية من الوجود.
