يستعد صندوق النقد الدولي لارسال بعثة فنية رفيعة المستوى الى العاصمة اللبنانية بيروت خلال شهر نوفمبر المقبل، وذلك في خطوة تهدف الى استكمال جولات التفاوض حول الملفات الاقتصادية الشائكة، وعلى رأسها معالجة الترهل في القطاع المصرفي وضمان استدامة الدين العام. وتأتي هذه الزيارة في توقيت حساس يمر فيه لبنان بتحديات مالية غير مسبوقة، حيث لا تزال النقاشات تراوح مكانها حول توزيع الخسائر المالية ومسؤولية الدولة في تحمل اعبائها، وسط ترقب لما ستسفر عنه المباحثات القادمة من توافقات تقنية.

وكشف تانوس ارفانيتيس، نائب مدير إدارة الشرق الاوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، أن اللقاءات التي جرت مؤخرا في بانكوك مع الجانب اللبناني اتسمت بالجدية والوضوح، مبينا أن الطرفين توصلا الى تفاهمات أولية لاستئناف الحوار خلال الاسابيع المقبلة، معتبرا ان زيارة نوفمبر ستشكل محطة مفصلية لتقييم التقدم المحرز في مسار الاصلاحات الهيكلية الضرورية للتعافي.

وأوضح ارفانيتيس أن الصندوق يضع في اولوياته القصوى ضرورة اعادة تأهيل القطاع المصرفي ليعود قادرا على توفير الائتمان، مؤكدا ان استعادة ثقة المودعين في النظام المالي تعد حجر الزاوية لاي نمو اقتصادي مستقبلي، ومشددا على ان معالجة الفجوة المالية يجب ان تتم وفق معايير دولية واضحة تضمن توزيع الخسائر بعدالة دون القفز فوق الاولويات القانونية.

مسارات الاصلاح والتشريعات المالية

وبينت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، خلال لقاءاتها مع المسؤولين اللبنانيين في واشنطن، استعداد الصندوق التام لدعم مسارات الاصلاح التي تبنتها الحكومة، مشيدة بالجهود المبذولة في ادارة المالية العامة واعداد الموازنات، واضافت ان الصندوق يتطلع الى بناء شراكة حقيقية تساهم في اخراج لبنان من عنق الزجاجة، مع التركيز على الانضباط المالي كشرط اساسي لاي اتفاق مستقبلي.

واشار وزير المالية ياسين جابر الى ان الحكومة تسعى جاهدة للوصول الى اتفاق نهائي مع الصندوق يمهد الطريق لبرنامج تمويلي متكامل، موضحا ان قانون اعادة هيكلة المصارف يمثل خطوة اولى، غير ان التحدي الحقيقي يكمن في اقرار قانون الفجوة المالية الذي سيحدد بدقة كيفية توزيع الخسائر، مؤكدا ان حماية حقوق المودعين، لا سيما الصغار منهم، تظل اولوية لا يمكن التنازل عنها في اي مسودة قانون.

واكد ارفانيتيس أن الصندوق يطالب بمزيد من الشفافية فيما يخص مساهمة الدولة في معالجة الازمة، موضحا ان هذا الامر مرتبط بشكل وثيق باستدامة الدين العام، ومبينا ان اي حلول يجب ان تكون ضمن سقف قدرة الدولة على السداد، ومشددا على ضرورة الابتعاد عن الحلول العشوائية واعتماد اطار عمل تنظيمي يضمن تطبيقا عادلا للقوانين على كافة الحالات المصرفية.

التنسيق الدولي ودعم التعافي

وذكرت مصادر مطلعة أن هناك تنسيقا مكثفا يجري حاليا بين الوفد اللبناني والمؤسسات الدولية لتأمين تمويل طارئ، موضحة ان هذا الدعم يهدف بالاساس الى تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية وتخفيف الاعباء المعيشية الناتجة عن تداعيات الازمة الراهنة، واضافت ان الحكومة اللبنانية تعول على زيارة بعثة الصندوق في نوفمبر لترجمة هذه التفاهمات الى خطوات عملية على ارض الواقع.

واظهرت المباحثات الاخيرة حرص الجانب اللبناني على المضي قدما في الاصلاحات رغم العقبات التشريعية، حيث يواجه قانون اصلاح المصارف مراجعات دستورية، وهو ما دفع الصندوق للتشديد على اهمية التوافق الوطني لضمان ديمومة الاصلاحات، مبينة ان الصندوق يراقب عن كثب مدى قدرة السلطات على تنفيذ الالتزامات التي تم الاتفاق عليها في الاجتماعات السنوية.

واكد الخبراء ان المرحلة المقبلة تتطلب قرارات جريئة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، موضحة ان الاقتصاد اللبناني يقف امام مفترق طرق حقيقي، ومضيفة ان التزام السلطات بالمعايير الدولية وشفافية توزيع الخسائر هما السبيل الوحيد لاستعادة ثقة المجتمع الدولي وفتح ابواب التعافي المالي والمصرفي للبلاد.