تتجول السيدة عائدة بين اروقة السوق البلدي في محاولة يائسة للعثور على اسعار تناسب ميزانية اسرتها المنهكة، حيث اصبحت رحلة التسوق اليومية تشكل عبئا ثقيلا لا يمكن تجاوزه بسهولة. واوضحت عائدة في حديثها انها تضطر للانتقال من منطقتها الى مناطق اخرى بحثا عن اسعار اقل، مؤكدة ان ميزانية الاسرة تضاعفت بشكل مخيف خلال السنوات القليلة الماضية.

وبينت ربة المنزل ان المبلغ الذي كان يكفي لتغطية حاجيات الاسبوع بالكامل في السابق، اصبح اليوم لا يكفي الا لجزء يسير من الاحتياجات اليومية، مشيرة الى ان اللحوم والاسماك باتت من الرفاهيات التي لا تظهر على مائدة الطعام الا في مناسبات نادرة جدا. واكدت ان هذا التحول في نمط الاستهلاك يعكس بوضوح تراجع القدرة الشرائية للمواطن التونسي امام موجات الغلاء المتلاحقة.

وكشفت بيانات المعهد الوطني للاحصاء عن فجوة كبيرة بين ارتفاع مؤشر اسعار الغذاء وزيادة الاجور، حيث سجلت اسعار المواد الغذائية صعودا حادا فاق بشكل ملحوظ نسبة الزيادة في الاجر الادنى المضمون. واظهرت الارقام ان التضخم لم يعد مجرد ارقام تقنية، بل اصبح واقعا معيشيا يضغط على تفاصيل حياة التونسيين اليومية.

تآكل الدخل في مواجهة التضخم

وبينت الاحصائيات ان مؤشر اسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية سجل ارتفاعا قياسيا تجاوز حاجز الستين بالمئة خلال فترة المقارنة، وهو ما يفوق بكثير نسب الزيادة المحدودة في الاجور. واضافت التقارير ان المؤشر العام للاسعار سار في نفس الاتجاه التصاعدي، مما جعل الفارق بين الدخل والنفقة يتسع بشكل مستمر.

وشدد الخبراء على ان تباطؤ معدلات التضخم في بعض الاشهر لا يعني بالضرورة انخفاض الاسعار، بل يعني فقط استمرار ارتفاعها بوتيرة اقل سرعة، وهو ما لا يشعر به المواطن البسيط في تعاملاته اليومية. واكدت المؤشرات الاقتصادية ان هذا الوضع يضع الاسر امام خيارات صعبة تفرض عليهم التخلي عن الكثير من المواد الاستهلاكية.

واوضحت البيانات ان قطاعات اخرى مثل السكن والطاقة والنقل شهدت هي الاخرى زيادات ملموسة، مما ضاعف من الضغوط المالية على العائلات التونسية. وبينت ان هذه القطاعات الحيوية اصبحت تلتهم جزءا كبيرا من الدخل الشهري، مما يقلص من هامش المناورة المالي للافراد.

البحث عن بدائل في ظل الغلاء

واضاف عبد الحفيظ، وهو مقيم في تونس منذ عقود، ان تكلفة القفة الاسبوعية تضاعفت عدة مرات، مشددا على ان ظاهرة الغلاء باتت سمة عامة تفرض على الجميع اعادة ترتيب اولوياتهم في الشراء. واشار الى ان الكثير من المواطنين اصبحوا يكتفون بالضروريات القصوى فقط في ظل غياب القدرة على مجاراة الاسعار.

وذكر منصف حداد، وهو اب لثلاث بنات، ان توفير المستلزمات اليومية اصبح تحديا يوميا يتطلب مهارات في التدبير والبحث عن الارخص. واكد ان الاسرة اصبحت تبتعد عن شراء الكثير من المواد التي كانت تعتبر اساسية في السابق نظرا لارتفاع اثمانها بشكل غير مسبوق.

وكشفت التقديرات الاقتصادية ان تباين المداخيل بين المهن والقطاعات جعل التاثير غير متساوٍ، لكن الجميع يشترك في الشعور بثقل العبء المالي. وبينت الاراء ان الغلاء لا يقتصر على المواد الغذائية فقط، بل يمتد ليشمل كافة مفاصل الحياة اليومية.

سياسات الرقابة وتحديات التوزيع

واكد رئيس منظمة ارشاد المستهلك لطفي الرياحي ان سنوات الجفاف والاضطرابات الدولية ساهمت بشكل كبير في تفاقم الازمة، مشيرا الى ان العائلات باتت تواجه صعوبات حقيقية في تأمين الغذاء. واضاف ان تداخل العوامل المحلية والخارجية خلق بيئة اقتصادية صعبة على المستهلك التونسي.

واوضح الخبير الاقتصادي سامي العرفاوي ان سياسات مكافحة الاحتكار ومحاولات ضبط المسالك التوزيعية لا تزال تواجه تحديات كبيرة في تحقيق نتائج ملموسة على ارض الواقع. واشار الى ان ندرة بعض المواد في فترات معينة تزيد من حدة الازمة وتدفع الاسعار نحو مزيد من الارتفاع.

واكدت وزارة التجارة من جانبها انها تواصل مراقبة الاسواق والعمل على استباق اي اضطرابات قد تؤدي الى ازمة، مشددة على دور المخزونات في تعديل السوق. وبينت الوزارة ان هناك جهودا مستمرة لتكثيف اليقظة الميدانية وضمان توفر المواد الاساسية للمواطنين.

لغز المواد المدعمة

واضافت السلطات انها تخصص ميزانيات ضخمة لدعم المواد الاساسية، الا ان الشكاوى من نقص بعض هذه المواد في الاسواق لا تزال قائمة. واوضحت ان هناك فجوة بين المخزونات المعلنة والكميات التي تصل فعليا الى تجار التفصيل، مما يطرح تساؤلات حول فعالية مسالك التوزيع.

وشددت الوزارة في اكثر من مناسبة على التزامها بالاسعار الرسمية للمواد المدعمة، نافية اي نية لاقرار زيادات جديدة في هذه المواد الاساسية. واكدت ان البرامج الحكومية تهدف الى ضخ كميات اضافية لضمان استقرار السوق وتلبية احتياجات العائلات.

وبينت الميزانيات المخصصة للدعم ان الدولة تحاول جاهدة حماية الفئات الهشة، لكن الواقع يظهر ان استمرار الغلاء يفرض ضغوطا متزايدة على هذه السياسات. واكدت التطورات الاخيرة ان التحدي الاكبر يكمن في ضمان وصول الدعم الى مستحقيه ومنع التلاعب بالكميات المتوفرة.