أمريكا وإسرائيل تربحان والعرب يدفعون الثمن.. وفلسطين تغيب وسط الانقسام
بقلم: عوني الرجوب | باحث وكاتب سياسي
لم تعد الحروب التي تشهدها منطقتنا العربية والإقليمية أحداثًا منفصلة، ولا يمكن قراءة ما يجري في اليمن وإيران وسوريا ولبنان وغزة باعتباره أزمات لا رابط بينها. فخلف كل جبهة تتشابك المصالح، وتتغير التحالفات، وتُعاد صياغة موازين القوى، بينما تتسع دائرة الخسائر العربية، وتتراجع القضية الفلسطينية عن صدارة الاهتمام الدولي كلما اشتعلت جبهة جديدة.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل عربي حريص على مستقبل أمته: من المستفيد من هذا الاستنزاف المتواصل، ومن يدفع فاتورته من دماء أبنائه وأمنه واقتصاده ومستقبل أجياله؟
إن الإجابة لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى قراءة سياسية لمآلات الصراع، ولمن تتعزز مصالحه الاستراتيجية كلما انشغلت المنطقة بحروبها وأزماتها المتلاحقة.
أولًا: حروب متعددة.. واستنزاف عربي متواصل
من اليمن إلى إيران، ومن سوريا إلى لبنان وغزة، تتعدد ساحات المواجهة، لكن القاسم المشترك بينها هو أن المنطقة تدفع أثمانًا باهظة من استقرارها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي.
في اليمن، تستمر معاناة شعب أنهكته سنوات الصراع، وتبقى الملاحة في البحر الأحمر عرضة للتوتر، بما يحمله ذلك من مخاطر على التجارة الدولية واقتصادات المنطقة.
وفي سوريا، ما زالت آثار سنوات الحرب والانقسام والدمار تلقي بظلالها الثقيلة على الدولة والمجتمع، فيما تواجه البلاد تحديات استعادة الاستقرار وإعادة البناء. لكن المشهد السوري لا يتوقف عند الأزمات الداخلية؛ فهناك أيضًا توغلات عسكرية إسرائيلية متكررة داخل الأراضي السورية، ولا سيما في الجنوب، واعتقالات ومداهمات للمنازل، إلى جانب وجود عسكري إسرائيلي في مناطق سورية احتلتها إسرائيل أو فرضت سيطرتها عليها.
وهنا لا بد من التوقف عند حقيقة لا يجوز أن تمر مرور الكرام: إن انشغال سوريا بجراحها الداخلية لا يمنح إسرائيل حق التوغل في أراضيها، ولا يبرر انتهاك سيادتها أو اعتقال مواطنيها أو فرض وقائع عسكرية جديدة على أرضها.
إن ما يجري في الجنوب السوري يمسّ سيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها، ويضع السكان أمام مخاوف أمنية ومعيشية متزايدة. كما أن استمرار التوغلات والاعتقالات، وما يصاحبها من قيود على حركة المواطنين ومداهمة للمنازل، يثير أسئلة جدية بشأن مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وحدود ما يمكن أن يتحول إلى أمر واقع يصعب تغييره لاحقًا.
والأخطر أن هذه التحركات تجري في منطقة تعاني أصلًا من آثار الحرب والانقسام وضعف الاستقرار، وفي وقت تنشغل فيه المنطقة بمواجهات متزامنة على جبهات متعددة. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يؤدي استنزاف دول المنطقة وانشغالها بصراعاتها إلى توسيع هامش التحرك أمام إسرائيل، وتمكينها من تثبيت وقائع جديدة على الأرض؟
إن احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، والمطالبة بوقف التوغلات والاعتقالات والانسحاب من الأراضي التي تحتلها إسرائيل، ليست مسألة سورية داخلية فحسب، بل هي جزء من مبدأ أساسي يتعلق برفض فرض الوقائع بالقوة، وحماية سيادة الدول، وصون حقوق المدنيين.
وفي لبنان، تتداخل الأزمات الداخلية مع المواجهة الإقليمية، ويجد اللبنانيون أنفسهم أمام مخاطر أمنية واقتصادية تهدد ما تبقى من مقومات الحياة والاستقرار.
وفي غزة، حيث دفع المدنيون الثمن الأشد قسوة، لا يجوز أن تتحول المأساة الإنسانية إلى خبر عابر وسط ازدحام الجبهات، أو أن تتراجع حقوق الشعب الفلسطيني تحت ضغط الأزمات المتلاحقة.
أما المواجهة مع إيران، فإن اتساعها يحمل مخاطر تتجاوز أطرافها المباشرين، ويهدد بجر دول وشعوب أخرى إلى صراع لا يمكن التنبؤ بحدود خسائره.
قد تختلف أسباب هذه الأزمات وأطرافها ومسؤولياتها من ساحة إلى أخرى، لكن النتيجة التي تستحق التوقف عندها واحدة: منطقة مستنزفة، وشعوب قلقة على حاضرها ومستقبلها، وموارد هائلة تُستهلك في الصراع بدلًا من توجيهها إلى التنمية والبناء.
ثانيًا: من المستفيد من استمرار الحروب؟
إن الحديث عن المستفيد من الحروب لا يعني أن جميع الأزمات صُنعت بقرار واحد، أو أن كل الأطراف تتحرك وفق خطة مشتركة؛ فلكل صراع جذوره المحلية والإقليمية، ولكل طرف حساباته ومسؤولياته.
لكن من المشروع سياسيًا أن نسأل: من يستطيع تحويل هذه الحروب إلى مكاسب استراتيجية؟ ومن يمتلك القدرة على بيع السلاح، وإعادة تشكيل التحالفات، وتوسيع النفوذ، والتأثير في مستقبل المنطقة، بينما تتحمل شعوبها الجزء الأكبر من الخسائر؟
إن الولايات المتحدة تمتلك نفوذًا عسكريًا واقتصاديًا واسعًا في المنطقة، كما تستفيد قطاعات من صناعتها الدفاعية من استمرار الطلب على الأسلحة والأنظمة العسكرية. وفي الوقت نفسه، تمنح الحروب واشنطن فرصًا لتعزيز حضورها العسكري والتأثير في حسابات حلفائها وخصومها.
أما إسرائيل، فتسعى إلى تحقيق أهدافها ومصالحها الاستراتيجية، وتعزيز تفوقها العسكري والأمني، وتوسيع هامش حركتها السياسية والعسكرية. وقد تستفيد من انشغال الدول المحيطة بها بصراعات متعددة، ومن تراجع قدرتها على التنسيق والعمل المشترك.
ولا يعني ذلك أن كل حرب تحقق مكاسب صافية لهذه الأطراف، أو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتحكمان في جميع مسارات الصراع؛ فالحروب قد تحمل لهما أيضًا تكاليف ومخاطر. لكن السؤال الجوهري يبقى قائمًا: هل تُترجم الخسائر العربية المتراكمة إلى أمن واستقرار وحقوق لشعوب المنطقة، أم أنها تفتح المجال أمام قوى أخرى لتعزيز نفوذها ومصالحها؟
إن أخطر ما في هذه الحروب ليس حجم الدمار وحده، بل احتمال أن تنتهي جولة لتبدأ أخرى، فيما تظل المنطقة عاجزة عن تحويل تضحيات شعوبها إلى مشروع سلام واستقرار وتنمية.
ثالثًا: إسرائيل وأهدافها الاستراتيجية.. من يقف في المواجهة ليس هو القضية
إن قراءة المشهد الإقليمي تقتضي إدراك حقيقة أساسية، وهي أن إسرائيل تتحرك وفق أهدافها ومصالحها الاستراتيجية، وتسعى إلى تعزيز تفوقها العسكري والأمني وتوسيع هامش حركتها السياسية، بصرف النظر عن هوية الطرف الذي يقف في مواجهتها.
فبالنسبة إلى إسرائيل، لا تنحصر الحسابات في طرف بعينه؛ بل ترتبط بموازين القوة والنفوذ، وبطبيعة البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها، وبقدرة الأطراف الأخرى على تشكيل تحديات أمام سياساتها وتوجهاتها.
وتبرز خطورة هذا النهج عندما تتعدد الحروب في المنطقة، من اليمن إلى إيران، ومن سوريا إلى لبنان وغزة، فتُستنزف القوى الإقليمية، وتتشتت الأولويات، وتتراجع فرص التنسيق، بينما تواصل إسرائيل العمل على تحقيق أهدافها.
وهنا تكمن المفارقة: أن تتحول المنطقة إلى ساحات متفرقة للصراع، ينشغل فيها الجميع بمواجهة الجميع، بينما تتراجع القضية الفلسطينية عن صدارة الاهتمام، ويجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام واقع تتزايد فيه التحديات وتتراجع فيه فرص الضغط السياسي الفاعل.
إن ما يجري في سوريا مثال واضح على ضرورة الانتباه إلى الوقائع الميدانية؛ فبينما تعاني البلاد آثار الحرب، تتواصل التوغلات الإسرائيلية والاعتقالات في مناطق من أراضيها، ويُطرح سؤال السيادة والوجود العسكري والانسحاب. وفي الوقت ذاته، تواجه غزة تداعيات الحرب، ويعيش لبنان تحت وطأة أزمات متداخلة، فيما تتسع دائرة التوتر الإقليمي.
لكن المسؤولية السياسية تقتضي التمييز بين قراءة النتائج والادعاء بأن جميع الأحداث تُدار وفق خطة واحدة. فليس من الدقة اختزال كل أزمات المنطقة في مؤامرة واحدة، كما لا يجوز تجاهل أن تشتت الجهود واستنزاف القدرات قد يمنحان إسرائيل مساحة أوسع للتحرك وتحقيق أهدافها.
ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من يواجه إسرائيل اليوم؟ بل: ما الذي ستؤول إليه المنطقة بعد هذه المواجهات؟ وهل ستخرج الشعوب أكثر أمنًا واستقرارًا، أم ستجد نفسها أمام دول منهكة واقتصادات مستنزفة وقضية فلسطينية يجري دفعها تدريجيًا إلى هامش الاهتمام الدولي؟!
رابعًا: القضية الفلسطينية.. الضحية السياسية لتعدد الجبهات؟
منذ عقود، شكّلت القضية الفلسطينية جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، وبقيت حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة قضية مركزية في وجدان الشعوب العربية.
لكن ماذا يحدث عندما تتعدد الحروب، وتتوزع الاهتمامات، وتنشغل الدول بأزماتها الأمنية والاقتصادية، وتتحول المنطقة إلى ساحات مواجهة مفتوحة؟
النتيجة أن القضية الفلسطينية تخاطر بالتراجع في سلم الأولويات الدولية، وأن تتحول غزة من قضية شعب يطالب بحقوقه الوطنية والإنسانية إلى ملف إنساني بين ملفات كثيرة، وأن يتراجع الاهتمام بالاحتلال والاستيطان وحقوق الفلسطينيين تحت ضغط الأخبار العسكرية المتلاحقة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية ليس أن تتعرض لضربة عسكرية فحسب، بل أن تُحاصر سياسيًا، وأن تُهمَّش دوليًا، وأن ينشغل محيطها العربي بخلافاته وصراعاته إلى الحد الذي يفقده القدرة على ممارسة ضغط سياسي ودبلوماسي مستمر وفاعل.
خامسًا: لماذا يخسر العرب عندما يتحول الإقليم إلى ساحة حروب؟
..
الخسارة العربية ليست مجرد أرقام في الموازنات العسكرية، ولا تقتصر على المدن المدمرة والمنشآت المتضررة. إنها خسارة في فرص التنمية، وفي تعليم الأجيال، وفي قدرة الاقتصادات على خلق الوظائف، وفي ثقة المواطنين بمستقبلهم، وفي مكانة المنطقة داخل النظام الدولي.
كل صاروخ يُطلق، وكل منشأة تُدمَّر، وكل موجة نزوح جديدة، وكل اضطراب في طرق التجارة والطاقة، تحمل كلفة مباشرة وغير مباشرة، وتترك آثارًا قد تمتد سنوات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية.
سادسًا: المطلوب ليس الاصطفاف في حروب الآخرين، بل امتلاك القرار
إن الخروج من هذه الدائرة لا يكون بتبديل محور بآخر، ولا بتبرئة طرف من مسؤولياته لمجرد أنه يختلف مع طرف آخر، ولا بالتعامل مع كل أزمة بمنطق الغلبة العسكرية وحده.
المطلوب رؤية عربية واقعية تقوم على مبادئ واضحة:
أولًا: حماية سيادة الدول العربية وأمن شعوبها، ورفض الاعتداءات التي تستهدف المدنيين والمنشآت المدنية، أيًا كان مصدرها.
ثانيًا: تعزيز استقلال القرار العربي من خلال بناء القدرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتنويع الشراكات الدولية بما يخدم المصالح الوطنية.
ثالثًا: اعتماد الدبلوماسية والحوار لتقليل احتمالات المواجهة الإقليمية، وفتح قنوات اتصال تمنع اتساع الحروب وتحد من أخطار الحسابات الخاطئة.
رابعًا: توحيد الجهد العربي في دعم القضية الفلسطينية، وحماية حقوق الشعب الفلسطيني، ومواجهة محاولات تهميش قضيته أو فصلها عن جذور الصراع المتعلقة بالاحتلال وحق تقرير المصير.
خامسًا: الدفاع عن سيادة الدول العربية ووحدة أراضيها، ورفض فرض السيطرة العسكرية بالقوة، والمطالبة باحترام القانون الدولي، بما يشمل إنهاء التوغلات والانسحاب من الأراضي السورية المحتلة.
سادسًا: التعامل مع الخلافات العربية والإقليمية بمنطق المصالح المشتركة، لا بمنطق تحويل كل اختلاف سياسي إلى عداوة دائمة، وكل أزمة إلى مواجهة عسكرية.
سابعًا: أمن المنطقة مسؤولية مشتركة
إن أمن أي دولة في المنطقة لا ينفصل عن أمن محيطها الإقليمي، فاضطراب الإقليم لا يبقى محصورًا داخل حدود الدولة التي تبدأ فيها الأزمة.
ومن هنا، فإن حماية الدول وتعزيز استقرارها تقتضيان دعم الحلول السياسية، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم المصالح الوطنية، والعمل على صون الأمن الإقليمي.
النتيجه: حين نحارب بعضنا.. تتراجع فلسطين ويتقدم الآخرون
إن ما يجري في منطقتنا يستدعي مراجعة جادة، لا من باب جلد الذات أو توزيع الاتهامات، بل من باب المسؤولية التاريخية تجاه الأجيال القادمة.
من اليمن إلى إيران، ومن سوريا إلى لبنان وغزة، تتعدد ساحات الصراع، وتختلف الأطراف والأسباب، لكن استمرار الحروب يضعف فرص التنمية والاستقرار، ويمنح القوى الأكثر قدرة على توظيف الأزمات مجالًا أوسع لتعزيز مصالحها.
وفي سوريا، لا يجوز أن يصبح التوغّل الإسرائيلي والاعتقال وفرض الوقائع على الأرض أمرًا عابرًا في نشرات الأخبار، كما لا يجوز أن يؤدي انشغال المنطقة إلى إضعاف الاهتمام بسيادة سوريا ووحدة أراضيها. وفي غزة، لا يجوز أن تُترك القضية الفلسطينية رهينة ازدحام الجبهات وتبدّل الأولويات.
لسنا أمام سؤال من ينتصر في هذه الحرب أو تلك، بل أمام سؤال أكبر: ماذا بقي للعرب من أمنهم واستقرارهم ومواردهم وقضاياهم المركزية بعد كل هذه الحروب؟
فالأمم لا تُقاس بقدرتها على خوض المعارك وحدها، بل بقدرتها على حماية شعوبها، وصون حقوقها، ومنع تحويل أوطانها إلى ساحات لتصفية الحسابات.
وإذا أردنا لفلسطين أن تبقى في صدارة الاهتمام، فعلينا أن نمنع استنزاف المنطقة، وأن نعيد الاعتبار للعمل العربي المشترك، وأن نفهم أن قوة العرب لا تتحقق بإضعاف بعضهم بعضًا، بل بامتلاك قرارهم، وتوحيد جهودهم، وتوجيه طاقاتهم نحو البناء والتنمية والعدالة.
فحين ينشغل العرب بمحاربة بعضهم، تتراجع فلسطين إلى الهامش، وتتقدم حسابات الآخرين. وحين يستعيد العرب وحدتهم السياسية ورشدهم الاستراتيجي، تصبح مصالح شعوبهم وقضاياهم العادلة أقدر على فرض حضورها في معادلات العالم.
#سوريا #اليمن #غزة #فلسطين #إيران #لبنان
