تشهد سوريا في الاونة الاخيرة تحولا لافتا في سياساتها المتعلقة بالبنية التحتية الجوية حيث بدات الحكومة بخطوات عملية لتحويل عدد من المطارات التي كانت مخصصة للاغراض العسكرية البحتة الى مطارات مدنية. وتعد هذه الخطوة انعكاسا لتغيرات في العقيدة السياسية والعسكرية للدولة التي تحاول خلع ثوب العسكرة الطويل والتوجه نحو تنشيط الاقتصاد والسياحة في ظل واقع اقليمي معقد. وتاتي هذه التحركات بعد عقود من هيمنة الطابع العسكري على هذه المرافق الحيوية في مختلف المحافظات السورية.

واكد خبراء في الشؤون العسكرية ان هذا التحول ياتي استجابة لمتطلبات الواقع الراهن حيث بات من الصعب الاحتفاظ بمطارات عسكرية في ظل التفوق الجوي الاسرائيلي المتكرر وضعف الامكانيات الدفاعية السورية. واضاف المراقبون ان الخيار الافضل للدولة المنهكة هو استغلال هذه المطارات في دعم قطاع النقل والتجارة بدلا من بقائها مواقع عسكرية تفتقر للتطوير او الحماية الفعالة في ظل الظروف الدولية الراهنة.

وبينت التقارير ان خطة اعادة تاهيل مطار تدمر العسكري لتحويله الى وجهة سياحية تاتي بعد خطوات مماثلة شملت مطار المزة بدمشق الذي يجري العمل على تحويله الى مطار مخصص للطيران الخاص. وتعد هذه الخطوات جزءا من رؤية اوسع تهدف الى جذب الاستثمارات والسياح عبر تسهيل وصولهم المباشر الى المواقع الاثرية العالمية.

ابعاد الرمزية والاحتياج الاقتصادي

واوضح مختصون في قطاع الطيران ان تحويل المطارات العسكرية الى مدنية يرتكز على دافعين رئيسيين هما الاحتياج الفعلي والرمزية الثقافية. واضاف الخبراء ان تحويل مطار تدمر على وجه الخصوص يحمل دلالة رمزية قوية تهدف الى فك الارتباط الذهني بين اسم المدينة وبين السجن العسكري الذي شهد احداثا ماساوية في العقود الماضية. وشدد المصدر على ان هذا التوجه يساهم في اعادة صياغة صورة تدمر كمدينة سياحية عالمية بدلا من كونها رمزا للحقبات الامنية القاسية.

وكشفت الدراسات الفنية ان مطار تدمر يمتلك بنية تحتية قوية تسمح بتشغيله كمنشاة مدنية خلال فترة زمنية قصيرة تتراوح بين ستة اشهر وعام واحد. واكدت الجهات المعنية ان العمل جار على تحديث الدراسات الفنية التي اعدتها منظمة الطيران المدني الدولي لتتوافق مع معايير السلامة والجودة العالمية الحالية.

واشار المسؤولون الى ان قائمة المطارات التي تشملها خطط التاهيل تتوسع لتشمل مطارات دير الزور والقامشلي التي كانت تستخدم كقواعد عسكرية منذ سنوات طويلة. واضافت المصادر ان هذه المطارات ستلعب دورا محوريا في تعزيز الربط الداخلي وتسهيل حركة النقل الجوي في حال توسيع طاقتها التشغيلية بشكل يتناسب مع احتياجات البلاد.

مستقبل المطارات في ظل التنافس الاقليمي

وتابع الخبراء تحليلاتهم مبينا ان تحويل قاعدة حميميم الجوية الروسية الى مراكز تدريب وتاهيل مشتركة ياتي ضمن سياق التفاهمات الروسية السورية المستمرة. واكد ان هذه التحولات لا تعني فقط تغيير وظيفة المطار بل تعكس محاولة سورية للتاقلم مع التحديات الاقتصادية والسياسية التي تفرضها الحرب الاقليمية المتصاعدة.

واضاف المحللون ان وجود مطارات مثل دمشق وحلب واللاذقية ودير الزور والقامشلي يشكل شبكة كافية لتغطية مساحة سوريا اذا ما تم تطويرها بشكل مهني. واشاروا الى ان الاستفادة من هذه المرافق في الشحن التجاري والسياحة اصبحت ضرورة ملحة لدعم الاقتصاد الوطني الذي يعاني من تداعيات سنوات طويلة من عدم الاستقرار.

وختم الخبراء بتوضيح ان خيار تحويل المطارات يعد حكمة واقعية تفرضها الظروف الراهنة في ظل عودة الجيش السوري الى ترتيب اولوياته الدفاعية. واكدوا ان نجاح هذه المشاريع يعتمد بشكل اساسي على القدرة على جذب الاستثمارات الخارجية وتوفير الامن اللازم لعمليات الطيران المدني في مختلف المناطق السورية.