يستعد المشهد الميداني في الضفة الغربية لمرحلة بالغة التعقيد في ظل تلويح رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ببدء عملية عسكرية واسعة النطاق توصف بانها غير مسبوقة منذ عقود. وتأتي هذه التحركات في وقت تتداخل فيه الحسابات الامنية الضيقة مع طموحات اليمين المتطرف لفرض سيطرة مطلقة على الاراضي الفلسطينية مستغلين التوترات الراهنة لتعزيز نفوذهم السياسي. واظهرت التطورات الاخيرة عقب الاشتباك المسلح عند حاجز فرش الهوى قرب الخليل ان حكومة الاحتلال تتجه نحو تشديد قبضتها الامنية وفرض قيود خانقة على حركة السكان وتطويق المدن والبلدات. واكد نتنياهو في تصريحاته ان جيشه بصدد تنفيذ عمليات اقتحام واسعة تشمل اخلاء احياء سكنية وتفتيش المنازل بحثا عن السلاح وهدم البنى التحتية تحت مسميات امنية مختلفة.

وبين مراقبون ان التهديدات الاسرائيلية تحمل دلالات سياسية تتجاوز ملاحقة الافراد لتصل الى محاولة استثمار الدماء في معركة انتخابية محتدمة تهدف لاستقطاب الناخبين في المعسكر اليميني. واضاف مدير المؤسسة الفلسطينية للاعلام ابراهيم المدهون ان الحكومة الاسرائيلية تحاول تقديم هذه العمليات كذريعة لتنفيذ مخططات معدة مسبقا تهدف الى تقويض الوجود الفلسطيني وتسهيل عمليات الضم والتهجير. واوضح ان التلويح بالتصعيد يعكس توجها استراتيجيا لدى نتنياهو لاعادة صياغة الواقع الجغرافي والديموغرافي للضفة الغربية في ظل صمت دولي واقليمي مريب.

منطق الحسم وتفكيك السلطة

وكشفت الرؤية السياسية التي يتبناها وزراء اليمين مثل سموتريتش وبن غفير عن نية مبيتة لانهاء اي فرصة لقيام دولة فلسطينية من خلال استهداف مؤسسات السلطة الفلسطينية بشكل مباشر. واشار محللون الى ان دعوات هؤلاء المسؤولين لا تقتصر على جمع السلاح بل تمتد لتفكيك الاطار السياسي الفلسطيني ودفعه نحو الانهيار الكامل لفرض امر واقع جديد. وشدد خبراء في الشأن الاسرائيلي على ان الجيش يسعى لتحويل الضفة الغربية الى ساحة عمليات مفتوحة تشبه ما يجري في قطاع غزة من حيث التدمير الممنهج والتهجير القسري.

واكد الباحث مهند مصطفى ان العمليات الحالية تجاوزت في وحشيتها وانماطها كل ما سبق من عمليات عسكرية مشيرا الى ان الجيش اصبح يمارس سياسة هدم المنازل بقرارات وزارية مباشرة دون الحاجة لمسارات قضائية. واوضح ان هذا التغول العسكري يهدف الى احكام السيطرة على المناطق المصنفة أ الخاضعة للادارة الفلسطينية مما يعني عمليا انهاء صلاحيات السلطة وتحويلها الى كيان منزوع التأثير. واشار الى ان هذه السياسات تفتح الباب واسعا امام سيناريوهات الفوضى الشاملة التي قد تخرج عن نطاق السيطرة في اي لحظة.

الاستيطان والانتخابات واعادة تشكيل الواقع

وتابع نتنياهو استراتيجيته بربط العمليات العسكرية بالتوسع الاستيطاني حيث اعتبر المستوطنات خط دفاع متقدم ودافع عن استمرار البناء الاستيطاني كجزء لا يتجزأ من منظومة الامن القومي. وكشف ان الحكومة الحالية عززت وجودها الاستيطاني بمئات البؤر الجديدة مؤكدة ان الارض هي المحرك الاساسي لكل هذه التحركات العسكرية. واضاف ان عنف المستوطنين المدعوم من الحكومة بات اداة ضغط اضافية تضاف الى الحواجز والاعتقالات لفرض بيئة طاردة للفلسطينيين.

وبينت التحليلات ان نتنياهو يربط بقاءه في السلطة بخطاب التحريض المستمر ضد الفلسطينيين مصورا منافسيه كخطر على مستقبل اسرائيل. واوضح مراسلون ان هناك فجوة كبيرة في الرواية الرسمية الاسرائيلية حيث تتغير المبررات الامنية لتوسيع العمليات العسكرية بناء على الحاجة السياسية والانتخابية. واكد ان التناقضات في تصريحات الجيش حول المعلومات الاستخبارية والعمليات الميدانية تشير بوضوح الى وجود اجندة مسبقة لا علاقة لها بالدفاع عن النفس بل بالهجوم الاستباقي لفرض رؤية اليمين المتطرف.