تحولت ملابس الاطفال البالية في قطاع غزة من قطع مهترئة تستوجب الاستبدال الى مقتنيات ثمينة يتم اصلاحها مرارا وتكرارا. واظهرت الاوضاع الاقتصادية الصعبة والظروف القاهرة التي يفرضها الحصار ان الاسر الفلسطينية باتت عاجزة تماما عن شراء كسوة جديدة لابنائها في ظل الارتفاع الجنوني في الاسعار وتلاشي القدرة الشرائية للمواطنين. وكشف المواطن فضل عبد العال ان اضطراره لاصلاح ملابس اطفاله اصبح هو الحل الوحيد المتاح امام تدهور الميزانية الاسرية وضيق الحال الذي يلف القطاع.

واضاف عبد العال ان تكلفة اصلاح القطعة الواحدة من الملابس شهدت قفزات غير مسبوقة حيث ارتفعت من شيكل واحد لتصل الى عشرة شواكل في بعض الحالات. واوضح ان هذا الارتفاع ليس ناتجا عن جشع الخياطين بل هو انعكاس مباشر لغلاء مستلزمات الانتاج وشح المواد الاولية وتكاليف الطاقة الباهظة التي ترهق كاهل العاملين في هذه المهنة. واكد ان الملابس التي كانت متاحة باسعار معقولة قبل الحرب اصبحت اليوم حلما بعيد المنال مما يضطر الناس لترميم ما لديهم من اثواب قديمة لاطالة عمرها الافتراضي.

وبين ان استمرار منع دخول لوازم الحياكة وتدمير المصانع جعل من قطاع الخياطة في غزة قطاعا مشلولا لا يكاد يلبي احتياجات السكان الضرورية. واشار الى ان المواطنين باتوا يفضلون دفع مبالغ متزايدة في عمليات الترقيع والاصلاح بدلا من البحث عن بدائل غير موجودة في الاسواق اصلا. وشدد على ان هذا الواقع المرير يعكس حجم المعاناة التي يعيشها الغزيون في ظل تضييق الخناق على ابسط مقومات الحياة اليومية.

واقع الخياطين وتحديات التشغيل

وقال الخياط احمد حبوش ان مهنته التي كانت مصدرا للرزق باتت تواجه تحديات وجودية مع ندرة الخامات وارتفاع اسعارها بشكل جنوني. واوضح ان بكرة الخيط التي كانت ثمنها زهيدا تضاعف سعرها عشرات المرات مما وضع المهنيين امام خيارات صعبة للغاية. واضاف ان تكاليف تشغيل ماكينات الخياطة ارتفعت بشكل فلكي نتيجة الاعتماد على المولدات الكهربائية التجارية التي تستنزف ارباح الورش والمصانع الصغيرة.

وذكر حبوش ان اسعار ادوات الخياطة البسيطة مثل السحابات والمقصات قفزت لمستويات خيالية ان توفرت في الاسواق اصلا. واكد ان الخياط يجد نفسه عالقا بين مطرقة رفع الاسعار على زبائن فقراء وبين سندان الخسارة المادية التي تهدد باغلاق محله نهائيا. وبين ان البحث عن ماكينات موفرة للطاقة اصبح ضرورة ملحة الا ان اسعارها المرتفعة جعلت من تحديث المعدات امرا شبه مستحيل في الوقت الراهن.

واوضح ان معظم العاملين في هذا المجال يعانون من تبعات الحرب التي دمرت البنية التحتية للمهنة وجعلت من الاستمرار في العمل مغامرة محفوفة بالمخاطر. واكد ان غياب الخامات الاساسية يمنع الخياطين من تنفيذ الطلبيات المطلوبة مما يقلص من حجم العمل اليومي بشكل كبير. واشار الى ان الضغوط الاقتصادية اجبرت الكثير من العمال على ترك مهنتهم والبحث عن سبل عيش بديلة في ظل واقع يزداد صعوبة يوما بعد يوم.

انهيار المصانع وتوقف عجلة الانتاج

وكشف جودت عبده صاحب احد مصانع الخياطة ان الحرب ادت الى توقف شبه كامل للنشاط الصناعي في القطاع. واضاف ان منع ادخال المواد الخام والاقمشة تسبب في شلل تام لخطوط الانتاج التي كانت تشغل المئات من العمال. وبين ان معظم المصانع تعرضت للدمار او الضرر المباشر مما جعل العودة للعمل مجرد امنية بعيدة المنال في ظل غياب الامن والاستقرار.

واكد عبده ان التوجه العام يبدو وكأنه يهدف الى تحويل القطاع الى سوق استهلاكية صرفة تعتمد على الاستيراد بدلا من تشجيع الصناعة المحلية. واوضح ان مصنعه الذي كان يعيل سبع عائلات بات اليوم يعمل بطاقة محدودة جدا لا تكاد تغطي تكاليف التشغيل الاساسية. واضاف ان فقدان عشرات الالاف من العمال لوظائفهم في هذا القطاع يمثل كارثة اجتماعية تضاف الى سلسلة الازمات التي يعاني منها سكان القطاع.

واشار الى ان استعادة عجلة الاقتصاد لا يمكن ان تتحقق الا من خلال اعادة بناء مقومات العمل وتوفير المواد الخام اللازمة للتشغيل. واكد ان غياب الطاقة والمواد الاولية والماكينات يجعل من الصعب على المصانع العودة للانتاج بالقدرة السابقة. وشدد على ان الحل يكمن في توفير بيئة عمل امنة ومستقرة تسمح لاصحاب المصانع باستئناف نشاطهم بدلا من البقاء في طابور البطالة الطويل.