يواجه الاقتصاد الفرنسي مرحلة بالغة الدقة وسط مؤشرات مقلقة تعكس حالة من الركود والضغوط المالية المتزايدة، حيث كشفت البيانات الرسمية عن انكماش غير متوقع في الناتج المحلي الاجمالي خلال الربع الثالث، وهو ما تزامن مع تصاعد معدلات التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض الى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ عقود طويلة، مما وضع الحكومة في موقف صعب امام محاولات اقرار موازنة توازن بين خفض العجز وتلبية المطالب الشعبية المتزايدة.
واظهرت مؤشرات الاسواق المالية حالة من القلق لدى المستثمرين، حيث شهدت عوائد السندات الفرنسية لآجل عشر سنوات ارتفاعا ملحوظا مما يعكس تراجعا في الثقة مقارنة بأسواق منطقة اليورو الاخرى، وبينت الارقام ان الفارق بين السندات الفرنسية والالمانية قد اتسع بشكل لافت ليصل الى مستويات تاريخية لم تسجل منذ ازمة منطقة اليورو، مما يشير الى زيادة علاوة المخاطر المرتبطة بالديون السيادية لفرنسا في ظل ترقب الاسواق لخطوات الحكومة القادمة.
واكد خبراء الاقتصاد ان البلاد تعاني من ضغوط مضاعفة ناتجة عن ارتفاع اسعار الطاقة والمخاوف بشأن مستويات الدين العام، وشدد محللون على ان فشل الحكومة في ضبط المالية العامة قد يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من ضعف النمو وزيادة تكاليف الاقتراض، الامر الذي يقلص من قدرة الدولة على تحفيز النشاط الاقتصادي ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد.
تحديات النمو وضغوط الموازنة العامة
واوضحت بيانات المعهد الوطني للاحصاء ان الاقتصاد الفرنسي لم يحقق اي نمو يذكر منذ بداية العام، وهو ما دفع وزير المالية للتحذير من ان البلاد تتجه نحو الحائط في حال عجزت عن تنفيذ الاصلاحات المالية المطلوبة، واضاف ان استمرار حالة الجمود الاقتصادي لثلاثة ارباع متتالية يضعف من مصداقية التوقعات الرسمية بشأن مستهدفات النمو للعام الحالي، ويجعل من الصعب تحقيق التوازن في الموازنة العامة.
واشار اقتصاديون الى ان نقطة الانطلاق الضعيفة للاقتصاد في العام المقبل ستثير تساؤلات جدية حول قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه خفض العجز الى النسب المستهدفة، وبينت التقارير ان البيانات الحالية ليست مطمئنة وتستدعي تسريع وتيرة ضبط الاوضاع المالية لتجنب تفاقم الازمة، خاصة وان المستثمرين باتوا يطالبون بعلاوات مخاطر اعلى وهو ما يزيد من اعباء الدين العام.
وذكرت تقارير تحليلية ان الازمة السياسية والمالية قد تتفاقم في حال عدم وضوح الرؤية الاقتصادية، واكد مراقبون ان التوقعات القاتمة تفرض على صناع القرار اتخاذ خطوات حاسمة لتهدئة الاسواق، موضحين ان استمرار حالة عدم اليقين بشان الانتخابات المقبلة والتوجهات السياسية قد يؤدي الى اضطرابات اقتصادية اكثر حدة تؤثر على استقرار البلاد المالي والاجتماعي.
اضطرابات اجتماعية وتوقعات السياسة النقدية
وكشفت التطورات الميدانية عن تصاعد حدة الاحتجاجات الشعبية رفضا لارتفاع تكاليف المعيشة، واضافت السلطات الامنية انها على استعداد للتعامل مع مخاطر امنية عالية في ظل دعوات للتظاهر خلال عطلة نهاية الاسبوع، مما يعقد من مهمة الحكومة في تنفيذ اجراءات التقشف الضرورية، حيث تضغط المطالب الشعبية بزيادة الانفاق في وقت تسعى فيه الدولة لتقليص العجز المالي.
وبينت الاسواق المالية ان هناك احتمالات كبيرة لرفع اسعار الفائدة الاوروبية في الشهر المقبل، واوضح المتعاملون ان قرارات البنك المركزي تظل تحت المجهر مع ترقب الاسواق لاي تغيير في السياسة النقدية، بينما تتجه انظار المستثمرين ايضا نحو التغييرات المرتقبة في قيادة البنك المركزي الاوروبي، معتبرين ان هذه الخطوات ستكون حاسمة في تحديد مسار التضخم وتكاليف الاقتراض في منطقة اليورو.
واكد محللون في الاسواق الدولية ان الاضطرابات الجيوسياسية ومخاطر امدادات الطاقة تزيد من حالة التذبذب في اسعار السلع والاصول المالية، واضافوا ان تراجع اسهم التكنولوجيا عالميا دفع المستثمرين نحو الاصول الآمنة كالسندات الاميركية والالمانية، مما يعزز من حالة عدم الاستقرار التي يعيشها الاقتصاد الاوروبي والفرنسي بشكل خاص في ظل هذه الظروف العالمية المعقدة.
