لم تكن رحلة الخروج من قرى وبلدات جنوب لبنان مجرد انتقال جغرافي بحثا عن الامان بل كانت عملية اقتلاع قسري لجذور امتدت في الارض لعقود طويلة. وتتوارى خلف اصوات القذائف والدمار قصص انسانية مؤلمة يعيشها النازحون الذين فقدوا كل شيء في لحظات خاطفة ليجدوا انفسهم امام واقع مرير ومستقبل مجهول في مراكز الايواء والخيام. واظهرت الشهادات الحية ان هؤلاء الاهالي يحاولون التمسك بما تبقى من ذكرياتهم البسيطة لمواجهة قسوة النزوح التي فرضت عليهم دون سابق انذار.

وكشفت قصص النازحين ان قرار الرحيل لم يكن خيارا بل ضرورة للبقاء على قيد الحياة حيث اضطر الكثيرون لترك منازلهم وممتلكاتهم تحت وقع النيران دون ان يتمكنوا من حمل ابسط احتياجاتهم الشخصية. وبينت سيدة مسنة كيف ان اصرارها على عدم حمل اغراضها كان تعبيرا عن رفضها للاعتراف بواقع التهجير مؤكدة ان العودة الى الديار تظل الامل الوحيد الذي تتشبث به رغم ما خلفه العدوان من خراب واسع طال الحجر والبشر.

واضاف النازحون ان رحلة الهروب نحو المناطق الامنة كانت محفوفة بالمخاطر حيث استغرقت مسافات طويلة من السير على الاقدام في ظروف انسانية صعبة لاختبار صبر وقوة تحمل العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها في القرى الحدودية. واكد شهود عيان ان حجم الدمار الذي طال البيوت والمحاصيل الزراعية كان صادما وغير مسبوق مما جعل العودة الى الحياة الطبيعية تبدو بعيدة المنال في ظل استمرار التوترات الميدانية.

واقع مرير بين انقاض البيوت وضياع المواسم

واوضح مسن من بلدة عيناتا ان فقدان الارض والمحاصيل يمثل ضربة قاسية لهوية الجنوبيين الذين ارتبطت حياتهم بتراب قراهم لسنوات طويلة. واشار الى ان الدمار الممنهج لم يفرق بين موقع واخر حيث تحولت البيوت الى رماد في دقائق معدودة مما جعل الاحساس بالامان يتلاشى لدى الجميع حتى في المناطق التي كانت تعتبر ملاذات امنة في السابق.

واكدت نازحة من قرية خربة سلم ان صدمة فقدان المنزل كانت مضاعفة لانها وقعت في وقت كان الجميع يأمل فيه بوقف الاعمال العسكرية. وشددت على ان المشهد العام يزداد قتامة مع استمرار العمليات العسكرية التي تستهدف القرى والبلدات الجنوبية مما يعزز مشاعر القلق لدى الاهالي حول مستقبل قراهم التي اصبحت مسرحا للعمليات القتالية.

وبينت الاحداث الاخيرة ان اتفاقات وقف اطلاق النار لم تكن كافية لوقف المعاناة حيث يتبادل الجانبان الاتهامات بخرق الهدنة واستمرار التصعيد الميداني. واظهرت المعطيات الحالية ان الوضع في جنوب لبنان لا يزال يتسم بالغموض مع استمرار الغارات والعمليات العسكرية التي تزيد من اعداد النازحين وتعمق الازمة الانسانية التي يعاني منها ابناء الجنوب في ظل غياب افق سياسي واضح للحل.