تتشبث الفنانة التشكيلية احلام عبد العاطي بما تبقى من روحها الفنية وسط ركام مدينة غزة، حيث نجحت في انتشال مجموعة من لوحاتها من تحت انقاض مرسمها المدمر، لتصبح هذه الاعمال بمثابة ابنائها الذين تحميهم من ضياع الذكريات في ظل ظروف النزوح القاسية بمدينة خان يونس. وتنظر احلام الى تلك اللوحات التي علقتها على جدران خيمتها القماشية كمرآة تعكس ماضيا جميلا تحاول من خلاله مواجهة واقع مرير فرضته آلة الحرب والدمار.

واضافت الفنانة انها لا ترى في هذه اللوحات مجرد قطع فنية، بل هي جزء لا يتجزأ من هويتها وتاريخها الشخصي الذي تحاول الحفاظ عليه من الفناء، مبينة ان بقاء هذه اللوحات يمنحها شعورا بالدفء وسط برودة الخيمة الموحشة، حيث تقضي ساعات طوال في محاولة لاستحضار خيالها المبدع لمقاومة انكسار الواقع.

واكدت ان الحرب لم تكتف بسلبها منزلها ومرسمها الذي كان يضم اكثر من مئة عمل فني، بل فرضت عليها نزوحا متكررا من شمال القطاع الى جنوبه، موضحة ان كل قطعة انتشلتها من تحت الركام تعد انتصارا صغيرا في معركتها الوجودية للحفاظ على الذاكرة الفلسطينية من المحو.

الفن كاداة لمقاومة الالم

وبينت احلام انها استثمرت هذه الخيمة لتكون مساحة للتعليم والدعم النفسي، حيث تحولها مع اشراقة كل صباح الى غرفة صفية تستقبل فيها الاطفال من الجنسين لتعلمهم اساسيات الرسم وتفريغ شحنات الخوف، وشددت على ان الفن يظل النافذة الوحيدة التي تطل منها على الامل وسط غبار المعارك.

وكشفت ان المساء يشكل لها لحظة خاصة للاختلاء بنفسها، حيث تستخدم ما توفر لديها من فرش قليلة والوان شحيحة لرسم يومياتها وتوثيق معاناة النازحين، مؤكدة ان هذا الفعل الابداعي يمثل صرخة صامتة في وجه الابادة ومحاولة لاستعادة الذات من براثن اليأس.

واوضحت الطفلة لما العديني، احدى تلميذات احلام، ان حضورها لهذه الدروس الفنية يمنحها شعورا مختلفا بالسعادة، مشيرة الى ان رسوماتها اصبحت تعبيرا صادقا عن واقع الخيمة التي باتت تمثل لها البيت والمدرسة معا، ومبينة ان الفن ساعدها في التعبير عن حجم الصدمات التي خلفتها الحرب.

التوثيق كفعل للبقاء

واضافت احلام انها ترفض الاستسلام لليأس رغم فقدانها لكل ادواتها الفنية السابقة، مشيرة الى ان لوحاتها الجديدة التي تصور معاناة النساء في الخيام تعد وثيقة بصرية لما يمر به الشعب الفلسطيني، واكدت ان هذه الاعمال تحمل طابعا سرياليا يجسد قسوة التجربة ويفتح في الوقت ذاته مساحة للتأمل والنجاة.

وبينت ان رسالتها من خلال هذا الفن تتجاوز حدود الخيمة، فهي تسعى لغرس قيم الصمود في نفوس الاطفال، قائلة ان استمرارها في الرسم هو اصرار على البقاء، واضافت في ختام حديثها ان الاجيال القادمة يجب ان تدرك ان على هذه الارض ما يستحق الحياة رغم كل محاولات الفناء.