سعيد الصالحي

توجيه الانتقادات، بنوعيها السلبي والإيجابي، أمر سهل ويسير، أما تقبّل السلبي منها فهو، على العكس تمامًا، ليس بالأمر الهيّن عند معظم الناس.
في مقالاتي الأخيرة، أنا دائم الكتابة عن المدينة التي تشبهنا ولا تعجبنا أحيانًا، ونحبها وننتقدها كثيرًا، وتقسو علينا بدورها ولا نعتب عليها.

يوم أمس، انطلقت إلى حديقة الطيور، حديقتي المفضلة التي طالما تأملت طواويسها ونعامتها وعصافيرها منذ أن كنت طفلًا. وكثيرًا ما تسحسلت وتأرجحت في مرافقها التي لا تزيد، وإن اختلف لونها كعلامة على تقدّم سني ومحافظتها هي على نضارتها وشبابها.

أشجار الحديقة وأزهارها جميلة، وطيورها التي تشتاق إلى الحرية، أو للقدور، بسيطة ولطيفة. ورسم الدخول إلى الحديقة رمزي، بالكاد يساهم في ثمن حفنة حبوب لدجاجة أو بطة في أحسن حالاته. وهو رسم لم يتأثر بأسعار المحروقات أو التضخم أو اختلاف رؤى مسؤولي الحديقة المتعاقبين.

في هذه الزيارة، لم أجد الصقر العنيد، ولم أجد الببغاء الثرثار، ولا الطيور الغريبة. كانت معظم الطيور مخلوقات بسيطة تقضي الساعات مستمعة في أقفاصها، وكأنها في حالة تقاعد بعد أن جابت السماء أو الحقول بالطول والعرض.

قمت بجولتي، ثم قعدت في ظل إحدى الأشجار أرقب فرحة الأطفال، وعدت بذاكرتي إلى طفولتي. فلم تكن الحديقة في زمننا للعب واللهو والفرجة فقط، بل كانت موسوعة طبيعية مصغّرة، وكانت لوحة المعلومات تزيّن كل قفص، تحدثني عن الطير وأصله وحسبه ونسبه.
كانت هذه اللوحة تجعل مني قارئًا ومثقفًا صغيرًا، وكنت أتباهى بهذه المعلومات أمام رفاقي في المدرسة أو في الحي، وأقضي الدقائق أحدثهم عن الرهو والديك الآسيوي بديع الألوان.

أما اليوم، فلا أثر لهذه اللوحات. أعرف أن بإمكاني أن أصوّر الطير وأسأل عنه في شبكة الإنترنت، وأن كل طفل يحمل هاتفًا يستطيع فعل ذلك. ولكن من نسي كتابة المعلومات على اللوحة لا يعرف قيمة المعلومة السهلة التي تتسرب إلى نفوسنا دون مقاومة وعناء.

والمفارقة هنا أن الحديقة لم تعد مصدرًا للثقافة كما كانت منذ عقود؛ لقد غيّرت جلدها ودخلت عالم الترفيه فقط، وصارت أغلب لوحاتها للحث على النظافة وعدم الإزعاج والتوقف عن العبث.

ولعل الطيور كانت من أقدم سكان عمّان وأكثرهم وفاءً لها. فمنذ أيام ربة عمون، حين كانت الينابيع تتدفق في الأودية وتغطي البساتين أطراف المدينة، كانت السماء تعج بالسنونو والحمام والطيور المهاجرة التي تجد في هذا المكان محطة آمنة بين الفصول. ولم تكن الطيور مجرد كائنات عابرة، بل جزءًا من ذاكرة المكان، كما هي اليوم جزء من ذاكرتنا الشخصية.

وفي صباح اليوم التالي، جلست في شرفة منزلي وشاهدت طيورًا لم أشاهدها في الحديقة، وسمعت تغاريد أطربتني. وبدأت أسأل نفسي: لماذا لا نهتم بالطيور المتنوعة التي تملأ سماء عمّان، ونمنح بعضها متعة التقاعد المبكر في حديقة طيورنا اليتيمة؟

طيور عمّان جميلة، وتستحق منا أن نحافظ عليها، وأن نتعرف إليها من خلال زقزقتها أو عبر مشاهدتها في حديقة الطيور، التي أتمنى أن تبقى في مكانها، وأن نحافظ عليها كرمز من رموز الجمال وحديقة للذكريات البديعة.