في قلب المناطق الجنوبية لقطاع غزة، حيث لا تزال ندوب الحرب تسيطر على المشهد العام، برزت مبادرة تعليمية استثنائية تعيد تعريف الصمود الأكاديمي، إذ نجحت جهود طوعية في تحويل مساحات قريبة من الركام إلى مدينة جامعية متكاملة توفر ملاذا لآلاف الطلبة الذين توقفت رحلتهم العلمية بسبب الظروف القاهرة.
واظهرت هذه المبادرة التي تبنتها منظمة علماء بلا حدود، إصرارا كبيرا على استئناف المسار التعليمي المنهك، حيث تم تجهيز قاعات دراسية متطورة تستوعب مئات الطلاب يوميا من تخصصات حيوية كالطب والهندسة والتمريض، مما يوفر بيئة بديلة للجامعات التي دمرتها آلة الحرب.
واكد القائمون على المشروع أن هذه القاعات السبع التي تم تجهيزها بالكامل بالوسائل التقنية الحديثة وخدمات الانترنت والكهرباء، تعمل كشريان حياة لطلبة الجامعات الذين فقدوا مقاعدهم الدراسية، مما يتيح لهم فرصة حقيقية لاستكمال مسيرتهم العلمية رغم التحديات اللوجستية والميدانية المعقدة.
مبادرات تعليمية تتحدى الواقع
واضاف حمزة ابو دقة المسؤول في المنظمة، أن جميع الخدمات المقدمة داخل هذه المدينة الجامعية مجانية بالكامل ومتاحة لطلبة مختلف الجامعات، موضحا أن دور المنظمة يتركز في توفير البنية التحتية المتكاملة، بينما تتولى الكوادر الاكاديمية والمؤسسات التعليمية ادارة العملية الدراسية وتوفير المحاضرين والمواد العلمية.
وبين ابو دقة أن هذا المشروع يندرج ضمن خطة استراتيجية أوسع تهدف إلى تعميم فكرة المدارس الميدانية في كافة أرجاء القطاع، مشيرا إلى نجاحهم في انشاء عشرات الوحدات الدراسية ضمن خطة طموحة تستهدف الوصول إلى مئات المرافق التعليمية لتقليص الفجوة التي فرضها الواقع الميداني.
وكشفت التحركات الميدانية للمنظمة عن جهود موازية لا تقتصر على التعليم العالي فحسب، بل تشمل ايضا ترميم المرافق الجامعية المتضررة لضمان استمرارية العملية التعليمية، في خطوة تعكس ايمانا عميقا بأن العلم هو السلاح الاقوى لمواجهة آثار الدمار وبناء المستقبل.
أمل جديد لجيل يرفض الانكسار
واشار الطلبة الذين عادوا إلى مقاعد الدراسة، إلى أن هذه المبادرة منحتهم شعورا باستعادة هويتهم كطلاب يطمحون إلى التغيير، موضحين أن العودة إلى القاعات الدراسية لم تكن مجرد تحصيل علمي، بل كانت بمثابة ترميم لأحلامهم التي كادت تتبخر وسط النزاع.
وذكر العديد من المشاركين أن وجود بيئة تعليمية منظمة وسط هذه الظروف يمثل بارقة أمل حقيقية، حيث يصر جيل كامل على كتابة فصول مستقبله من جديد، متسلحين بالكتب والاقلام في مواجهة واقع فرض عليهم التحدي، ليثبتوا للعالم أن الرغبة في التعلم لا تعرف المستحيل.
وختاما، تبقى هذه المدينة الجامعية رمزا للارادة الفلسطينية التي ترفض التوقف، حيث تتحول الجدران البسيطة إلى منارات للعلم، وتتحول ساحات الركام إلى ساحات للتنافس المعرفي، في ملحمة صمود يومية يكتبها الطلبة والأساتذة معا على طريق استعادة الحياة.
